منتدى إسلامى شامل

..... ندعوكم الى المشاركه فى المنتدى.....اخبار العالم الاسلامى                        ندعوالله عز وجل أن ينفعنا بجمعنا هذا إنه ولى ذلك ومولاه       :.:جديد المنتدى:.:..... مواضيع ورسائل خاطئة لا يجب نشرها فى المنتديات:......:.:جديد المنتدى:.:

The Prophet Muhammad    
http://tarikelganna.akbarmontada.com/h1-page

    الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    شاطر

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 6:28 pm

    هو محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصى ، ولد بمدينة غزة بفلسطين سنة 150 هـ ، حيث خرج إليها والده إدريس من مكة فى حاجة له ، فمات بها و أمه حامل به فولدته فيها ثم عادت به بعد سنتين إلى مكة ، و قد حفظ الشافعى القرآن فى سن السابعة و حفظ موطأ مالك فى سن العشرين فقد كان شديد الذكاء شديد الحفظ حتى إنه كان يضع يده على المقابلة للتى يحفظها لئلا يختلطا حيث أنه كان يحفظ من أول نظرة للصفحة .. و قد إختلط الشافعى بقبائل هذيل الذين كانوا من افصح العرب فاستفاد منهم و حفظ أشعارهم و ضرب به المثل فى الفصاحة . و قد تلقى الشافعى فقه مالك على يد الإمام مالك و تفقه فى مكة على يد شيخ الحرم و مفتيه (مسلم بن خالد الزنجى) و (سفيان بن عيينه الهلالى) و غيرهما من العلماء ثم رحل إلى اليمن ليتولى منصبا جاءه به (مصعب بن عبد الله القرشى) قاضى اليمن ثم رحل إلى العراق سنة 184 هـ و أطلع على ما عند علماء العراق و أفادهم بما عليه علماء الحجاز و عرف (محمد بن الحسن الشيبانى) صاحب أبى حنيفة و تلقى منه فقه أبى حنيفة ، و ناظره فى مسائل كثيرة و رفعت هذه المناظرات إلى الخليفة هارون الرشيد فسر منه ، ثم رحل الشافعى بعدها إلى مصر و إلتقى بعلمائها و أعطاهم و أخذ منهم ثم عاد مرة أخرى إلى بغداد سنة 195 هـ فى خلافة الأمين و أصبح الشافعى فى هذه الفترة إماما له مذهبه المستقل و منهجه الخاص به و إستمر بالعراق لمدة سنتين عاد بعدها إلى الحجاز بعد أن ألف كتابه (الحجة) ثم عاد مرة ثالثة إلى العراق سنة 198 هـ و أقام بها أشهرا ثم رحل إلى مصر سنة 199 هـ و نزل ضيف عزيزا على (عبد الله بن الحكم) بمدينة الفسطاط و بعد أن خالط المصريين و عرف ما عندهم من تقاليد و أعراف و عادات تخالف ما عند أهل العراق و الحجاز أعاد النظر فى مذهبه القديم المدون بكتابه (الحجة) و جاء منه ببعض المسائل فى مذهبه الجديد فى كتاب (الأم) الذى أملاه على تلاميذه فى مصر و يمكن إعتبار فقه الشافعى وسط بين أهل الحديث و أهل الرأى .. و قد رتب الشافعى أصول مذهبه كالآتى كتاب الله أولا و سنة الرسول صلى الله عليه و سلم ثانيا ثم الإجماع و القياس و العرف و الإستصحاب و قد دون الشافعى مذهبه بنفسه.
    و يعد الشافعى أول من ألف فى علم أصول الفقه و يتضح ذلك فى كتابه المسمى (الرسالة) و قد كتبها فى مكة و أرسلها إلى (عبد الرحمن بن مهدى) حاكم العراق حينذاك - مع الحارث بن شريح الخوارزمى البغدادى الذى سمى بالنقال بسبب نقله هذه الرسالة و لما رحل الشافعى إلى مصر أملاها مرة أخرى على (الربيع بن سليمان المرادى) و قد سمى ما أملاه على الربيع (بالرسالة الجديدة) و ما أرسله إلى (عبد الرحمن المهدى) (بالرسالة القديمة) ، وقد ذهبت الرسالة القديمة و ما بين أيدينا هو الرسالة الجديدة التى أملاها على الربيع .. و من أقوال الشافعى (من حفظ القرآن نبل قدره و من تفقه عظمت قيمته و من حفظ الحديث قويت حجته و من حفظ العربية و الشعر رق طبعه و من لم يصن نفسه لم ينفعه العلم) و من أشعاره: "نعيب زماننا و العيب فينا - و ما لزماننا عيب سوانا \ و نهجو ذا الزمان بغير ذنب - و لو نطق الزمان لنا هجانا \ و ليس الذئب يأكل لحم ذئب - و يأكل بعضنا بعضا عيانا" و قد إنتشر مذهب الشافعى فى الحجاز و العراق و مصر و الشام و فلسطين و عدن و حضر موت و هو المذهب الغالب فى أندونيسيا و سريلانكا و لدى مسلمى الفلبين و جاوه و الهند الصينية و إستراليا.
    و قد إستمر الشافعى فى مصر يفتى و يعلم حتى توفى - رحمه الله - سنة 204 هـ.
    إعداد ياسر سعيد إسماعيل
    نقلا عن جريدة صوت الأمة
    بتاريخ 24/10/2005

    بالإتفاق مع الجريدة


    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 7:02 pm

    الإمام الشافعي رحمه الله 150 ـ 204 هـ
    هو محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي المكي المطلبي، الفقيه، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    تفقه على مسلم بن خالد ( فقيه مكة )، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، ( الفقيه )، وخلق سواهم .
    وتفقه به جماعة منهم : الحميدي، والقاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، والمزني، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وخلق سواهم .
    قال الذهبي رحمه الله :" الإمام العَلَم،... الفقيه، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقال:" كان الشافعي - مع عظمته في علم الشريعة وبراعته في العربية - بصيراً في الطلب نقل ذلك غير واحد " ( 15 ) .
    وقال ابن كثير :" وقد أثنى على الشافعي غير واحد من الأئمة منهم : عبد الله بن مهدي، وقد سأله أن يكتب له كتاباً في الأصول فكتب له الرسالة وكان يدعو له في صلاته، وكذلك أثنى عليه شيخه مالك بن أنس، وقتيبة بن سعيد - وقال هو إمام -، وسفيان بن عيينة، ويحي بن سعيد القطّان -وكان يدعو له أيضاً في صلاته، وأبو عبيد القاسم بن سلام - وقال : ما رأيت أفصح، ولا أعقل، ولا أورع من الشافعي -، ومحمد بن الحسن، وخلق كثير، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان أحمد يقول إنه مجدد المائة الثانية ... إ.هـ مختصراً (16 ).
    وقال ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" : " فقيه العصر، والإمام الكبير" ( 17 ).
    وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال : تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله . قال: فأقامني على الشافعي ( 18 ) .
    وقال الإمام أحمد:"ما أحد مسَّ محبرة، ولا قلماً؛ إلاَّ للشافعي في عنقه منة" وقال:" كان من أفصح الناس " ( 19 ).
    فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له المثوبة ورضي عنه

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:24 pm

    <tr><td height=10><tr><td height=10>من سيرة الإمام الشافعي <tr><td height=10>
    الدكتور صباح قاسم الامامي

    ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب اليه ، ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله واصحابه واتباعه باحسان الى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .
    الامام الشافعي احد الائمة الاربعة عند اهل السنة واليه نسبة الشافعية كافة . وهو ابوعبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي. وكان ابوه قد هاجر من مكة الى غزة بفلسطين بحثا عن الرزق لكنه مات بعد ولادة محمد بمدة قصيرة فنشأ محمد يتيما فقيرا . وشافع بن السائب هو الذي ينتسب اليه الشافعي لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، واسر ابوه السائب يوم بدر في جملة من أسر وفدى نفسه ثم اسلم . ويلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.

    اما امه فهي يمانية من الازد وقيل من قبيلة الاسد وهي قبيلة عربية لكنها ليست قرشية، قيل ان ولادة الشافعي كانت في عسقلان وقيل بمنى لكن الاصح ان ولادته كانت في غزة عام 150 هجرية وهو نفس العام الذي توفى فيه ابو حنيفة .
    ولما بلغ سنتين قررت امه العودة وابنها الى مكة لاسباب عديدة منها حتى لايضيع نسبه ، ولكي ينشأ على ما ينشأ عليه اقرانه ، فأتم حفظ القران وعمره سبع سنين . عرف الشافعي بشجو صوته في القراءة ، قال ابن نصر : كنا اذا اردنا ان نبكي قال بعضنا لبعض : قوموا الى هذا الفتى المطلبي يقرأ القران ، فاذا أتيناه (يصلي في الحرم ) استفتح القران حتى يتساقط الناس ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته فاذا راى ذلك امسك من القراءة . ولحق بقبيلة هذيل العربية لتعلم اللغة والفصاحة . وكانت هذيل افصح العرب ، ولقد كانت لهذه الملازمة اثر في فصاحته وبلاغة ما يكتب، وقدلفتت هذه البراعة انصار معاصريه من العلماء بعد ان شب وكبر ، حتى الاصمعي وهو من ائمة اللغة المعدودين يقول : ( صححت اشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس ) وبلغ من اجتهاده في طلب العلم ان اجازه شيخه مسلم بن خالد الزنجي بالفتيا وهو لا يزال صغير .

    حفظ الشافعي وهو ابن ثلاث عشرة سنة تقريبا كتاب الموطأ للامام مالك ورحلت به امه الىالمدينة ليتلقى العلم عند الامام مالك . ولازم الشافعي الامام مالك ست عشرة سنة حتى توفى الامام مالك (179 هجرية ) وبنفس الوقت تعلم على يد ابراهيم بن سعد الانصاري ، ومحمد بن سعيد بن فديك وغيرهم .
    وبعد وفاة الامام مالك (179 هجرية ) سافر الشافعي الى نجران واليا عليها ورغم عدالته فقد وشى البعض به الى الخليفة هارون الرشيدفتم استدعائه الى دار الخلافة سنة (184هجرية ) وهناك دافع عن موقفه بحجة دامغة وظهر للخليفة براءة الشافعي مما نسب اليه واطلق سراحه .
    واثناء وجوده في بغداد أتصل بمحمد بن الحسن الشيباني تلميذ ابي حنيفة وقرأ كتبه وتعرف على علم اهل الرأي ثم عاد بعدها الى مكة واقام فيها نحوا من تسع سنوات لينشر مذهبه من خلال حلقات العلم التي يزدحم فيها طلبة العلم في الحرم المكي ومن خلال لقاءه بالعلماء اثناء مواسم الحج . وتتلمذ عليه في هذه الفترة الامام احمد بن حنبل .
    ثم عاد مرة اخرى الى بغداد سنة ( 195 هجرية ) ، وكان له بها مجلس علم يحضره العلماء ويقصده الطلاب من كل مكان . مكث الشافعي سنتين في بغداد ألف خلالها كتابه (الرسالة ) ونشر فيها مذهبه القديم ولازمه خلال هذه الفترة اربعة من كبار اصحابه وهم احمد بن حنبل ، وابو ثور ، والزعفراني ، والكرابيسي . ثم عاد الامام الشافعي الى مكة ومكث بها فترة قصيرة غادرها بعد ذلك الى بغدادسنة (198هجرية ) وأقام في بغداد فترة قصيرة ثم غادر بغداد الى مصر .
    قدم مصر سنة ( 199 هجرية ) تسبقه شهرته وكان في صحبته تلاميذه الربيع بن سليمان المرادي ، وعبدالله بن الزبير الحميدي ، فنزل بالفسطاط ضيفا على عبد الله بن عبد الحكم وكان من اصحاب مالك . ثم بدأ بالقاء دروسه في جامع عمرو بن العاص فمال اليه الناس وجذبت فصاحته وعلمه كثيرا من اتباع الامامين ابي حنيفة ومالك . وبقي في مصر خمس سنوات قضاها كلها في التأليف والتدريس والمناظرة والرد على الخصوم . وفي مصر وضع الشافعي مذهبه الجديد وهو الاحكام والفتاوى التي استنبطها بمصر وخالف في بعضها فقهه الذي وضعه في العراق ، وصنف في مصر كتبه الخالدة التي رواها عنه تلاميذه .

    وتطرق احمد تمام في كتابه (الشافعي ملامح وآثار ) كيفية ظهور شخصية الشافعي ومنهجه في الفقه . هذا المنهج الذي هو مزيج من فقه الحجاز وفقه العراق ، هذا المنهج الذي انضجه عقل متوهج ، عالم بالقران والسنة ، بصير بالعربية وادابها خبير باحوال الناس وقضاياهم ، قوي الرأي والقياس .
    فلو عدنا الى القرن الثاني الميلادي لوجدنا انه ظهر في هذا القرن مدرستين اساسيتين في الفقه الاسلامي هما مدرسة الراي ، ومدرسة الحديث ، نشأت المدرسة الاولى في العراق وهي امتداد لفقه عبدالله بن مسعود الذي اقام هناك ، وحمل اصحابه علمه وقاموا بنشره . وكان ابن مسعود متأثرا بمنهج عمر بن الخطاب في الاخذ بالرأي والبحث في علل الاحكام حين لا يوجد نص من كتاب الله او سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن أشهر تلامذة ابن مسعود الذين أخذوا عنه : علقمة بن قيس النخعي ، والاسود بن يزيد النخعي ، ومسروق بن الاجدع الهمداني ، وشريح القاضي ، وهؤلاء كانوا من ابرز فقهاء القرن الاول الهجري . ثم تزعم مدرسة الرأي بعدهم ابراهيم بن يزيد النخعي فقيه العراق بلا منازع وعلى يديه تتلمذ حماد بن سليمان ، وخلفه في درسه ، وكان اماما مجتهدا وكانت له بالكوفة حلقة عظيمة يؤمها طلاب العلم وكان بينهم ابو حنيفة النعمان الذي فاق أقرانه وانتهت اليه رئاسة الفقه ، وتقلد زعامة مدرسة الرأي من بعد شيخه ، والتف حوله الراغبون في تعلم الفقه وبرز منهم تلاميذ بررة على رأسهم ابو يوسف القاضي ، ومحمد بن الحسن ، وزفر والحسن بن زياد وغيرهم ،وعلى يد هؤلاء تبلورت طريقة مدرسة الرأي واستقر امرها ووضح منهجها .
    وأما مدرسةالحديث فقد نشأت بالحجاز وهي امتداد لمدرسة عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعائشة وغيرهم من فقهاء الصحابة الذين أقاموا بمكة والمدينة ، وكان يمثلها عددكبير من كبار الائمة منهم سعد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وابن شهاب الزهري ، والليث بن سعد ، ومالك بن انس . وتمتاز تلك المدرسة بالوقوف عند نصوص الكتاب والسنة ، فان لم تجد التمست اثار الصحابة ، ولم تلجئهم مستجدات الحوادث التي كانت قليلة في الحجاز الى التوسع في الاستنباط بخلاف ما كان عليه الحال في العراق .
    وجاء الشافعي والجدل مشتعل بين المدرستين فأخذ موقفا وسطا ، وحسم الجدل الفقهي القائم بينهما بما تيسر له من الجمع بين المدرستين بعد ان تلقى العلم وتتلمذ على كبار اعلامهما مثل مالك بن انس من مدرسة الحديث ومحمد بن الحسن الشيباني من مدرسة الرأي .
    دون الشافعي الاصول التي اعتمد عليها في فقهه ، والقواعد التي التزمها في اجتهاده في رسالته الاصولية "الرسالة " وطبق هذه الاصول في فقهه ، وكانت اصولا عملية لا نظرية ، ويظهر هذا واضحا في كتابه " الام " الذي يذكر فيه الشافعي الحكم مع دليله ، ثم يبين وجه الاستدلال بالدليل وقواعد الاجتهاد واصول الاستنباط التي اتبعت في استنباطه ، فهو يرجع اولا الى القران وما ظهر له منه ، الا اذا قام دليل على وجوب صرفه عن ظاهره ،ثم الى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الخبر الواحد الذي ينفرد راو واحد بروايته ، وهو ثقة في دينه ، معروف بالصدق ، مشهور بالضبظ . وهو يعد السنة مع القران في منزلة واحدة ، فلا يمكن النظر في القران دون النظر في السنة التي تشرحه وتبينه ، فالقران يأتي بالاحكام العامة والقواعد الكلية ، والسنة هي التي تفسر ذلك ،فهي التي تخصص عموم القران او تقيد مطلقه ، او تبين مجمله .
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:28 pm

    ولم يشترط الشافعي في الاحتجاج بالسنة غير اتصال سند الحديث وصحته ، فاذا كان كذلك صح عنده وكان حجة عنده ، ولم يشترط في قبول الحديث عدم مخالفته لعمل اهل المدينة مثلما اشترط الامام مالك ، او ان يكون الحديث مشهورا ولم يعمل راويه بخلافه . ووقف الشافعي حياته على الدفاع عن السنة ، واقامة الدليل على صحة الاحتجاج بالخبر الواحد ، وكان هذا الدفاع سببا في علو قدر الشافعي عند اهل الحديث حتى سموه ( ناصر السنة ) . ولعل الذي جعل الشافعي يأخذ بالحديث اكثر من أبي حنيفة حتى انه يقبل خبر الواحد متى توافرت فيه الشروط ، انه كان حافظا للحديث بصيرا بعلله ، لايقبل منه الا ما ثبت عنده ، وربما صح عنده من الاحاديث ما لم يصح عند أبي حنيفة واصحابه . وبعد الرجوع الى القران والسنة يأتي الاجماع ان لم يعلم له مخالف ، ثم القياس شريطة ان يكون له اصل من الكتاب والسنة ، ولم يتوسع فيه مثلما توسع الامام أبو حنيفة .

    ولنتطرق الآن الى بعضا من أقوال الشافعي التي تبين عقيدته :

    في جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي من رواية أبي طالب العشاري ما نصه قال وقد سئل عن صفات الله عز وجل وما ينبغي أن يؤمن به فقال : " لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم امته لا يسع احد من خلق الله عز وجل قامت لديه الحجة ان القران نزل به وصحيح عنده قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه العدل خلافه فان خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله عز وجل فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل لان علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالدراية والفكر ، ونحو ذلك اخبار الله عز وجل انه سميع وأن له يدين بقوله عز وجل : [ بل يداه مبسوطتان ] وأن له يمينا بقوله عز وجل : [ والسموات مطويات بيمينه ] وأن له وجها بقوله عز وجل : [ كل شيء هالك الا وجهه ] وقوله : [ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ] وأن له قدما بقوله صلى الله عليه وسلم : (حتى يضع الرب عز وجل فيها قدمه ) يعني جهنم . وقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله عز وجل : ( أنه لقي الله عز وجل وهو يضحك اليه ) وأنه يهبط كل ليلة الى السماء الدنيا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأنه ليس بأعور لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اذ ذكر الدجال فقال انه أعور وان ربكم ليس بأعور وأن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر ) وأن له أصبعا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من قلب الا هو بين أصبعين من أصايع الرحمن عز وجل ) ، وأن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم لا يدرك حقه ذلك بالذكر والدراية ويكفر بجهلها أحد الا بعد انتهاء الخبر اليه وان كان الوارد بذلك خبرا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في ا لسماع "وجبت الدينونة " على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كمن عاين وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن نثبت هذه الصفات وننفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ] ……….. "
    وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال الشافعي : " من قال القران مخلوق فهو كافر " .
    وأورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي قال : "ان مشيئة العباد هي الى الله تعالى ولا يشاؤن الا ان يشاء الله رب العالمين فان الناس لم يخلقوا اعمالهم وهي خلق من خلق الله تعالى أفعال العباد وان القدرخيره وشره من الله عز وجل وان عذاب القبر حق ومساءلة أهل القبور حق والبعث حق والحساب حق والجنة والنار حق وغير مما جاءت به السنن " .
    وأخرج ابن عبد البر عن الربيع قال : سمعت الشافعي يقول " الايمان قول وعمل واعتقاد بالقلب ألا ترى قول الله عز وجل : [وما كان الله ليضيع ايمانكم ] يعني صلاتكم الى بيت المقدس فسمى الصلاة ايمانا وهي قول وعمل وعقد " . كما واخرج البيهقي عن ابي محمد الزبيري قال : قال رجل للشافعي : أي الاعمال عند الله افضل ؟ قال الشافعي : " ما لا يقبل عملا الا به " قال وما ذاك ؟ قال : " الايمان بالله الذي لا اله الا هو أعلى الاعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا " قال الرجل : ألا تخبرني عن الايمان قول وعمل أو قول بلا عمل ؟ قال الشافعي : " الايمان عمل لله والقول بعض ذلك العمل " قال الرجل : صف لي ذلك حتى أفهمه . قال الشافعي : "ان للايمان حالات ودرجات وطبقات فمنها التام المنتهي تمامه والناقص البين نقصانه والراجح الزائد رجحانه " قال الرجل : وان الايمان لايتم وينقص ويزيد ؟ قال الشافعي : " نعم " قال الرجل : وما الدليل على ذلك ؟ قال الشافعي : " ان الله جل ذكره فرض الايمان على جوارح بني ادم فقسمه فيها وفرقه عليها فليس من جوارحه جارحة الا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى فمنها : قلبه الذي يعقل به ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر الا عن رأيه وأمره ومنها : عيناه اللتان ينظر بهما وأذناه اللتان يسمع بهما ويداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما وفرجه الذي ألباه من قبله ولسانه الذي ينطق به ورأسه الذي فيه وجهه. فرض على القلب غير ما فرض على اللسان وفرض على السمع غير ما فرض على العينين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه . فأما فرض الله على القلب من الايمان : فالاقرار والمعرفة والعقد والرضى والتسليم بأن الله لا اله الا هو وحده لا شريك له لم يتخذ صاجبة ولا ولدا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله والاقرار بما جاء من عند الله من نبي او كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله [الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا ] وقال : [ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ] وقال : [ من الذين قالوا امنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ] وقال : [ وان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ] فذلك ما فرض الله على القلب من ايمان وهو عمله وهو رأس الايمان . وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقر به فقال في ذلك : [ قولوا امنا بالله ] وقال : [ وقولوا للناس حسنا ] فذلك ما فرض الله على اللسان من القول والتعبير عن القلب وهو عمله والفرض عليه من الايمان . وفرض الله على السمع ان يتنزه عن الاستماع الى ما حرم الله وان يغض عن ما نهى الله عنه فقال في ذلك : [وقد نزل عليكم في الكتاب أن اذا سمعتم ايات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم اذا مثلهم ] ثم استثنى موضع النسيان فقال جل وعز :[واما ينسينك الشيطان ] أى : فقعدت معهم [فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ] وقال : [ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب ] وقال : [ قد أفلح المؤمنون الذين هم قي صلاتهم خاشعون ] الى قوله : [ والذين هم للزكاة فاعلون ] وقال : [ واذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ] وقال : [ واذا مروا باللغو مروا كراما ] فذلك ما فرض الله جل ذكره على السمع من التنزيه عما لا يحل له وهو عمله وهو من الايمان . وفرض على العينين ألا ينظر بهما ما حرم الله وأن يغضهما عما نهاه عنه فقال تبارك وتعالى في ذلك : [قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ] الايتين : ان ينظر احدهم الى فرج أخيه ويحفظ فرجه من أن ينظراليه . وقال : كل شيْ من حفظ الفرج في كتاب الله فهو من الزنا الا هذه الاية فانها من النظر . فذلك ما فرض الله على العينين من غض البصر وهو عملهما وهو من الايمان . ثم أخبر عما فرض على القلب والسمع والبصر في اية واحدة فقال سبحانه وتعالى في ذلك : [ ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا ]
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:29 pm

    قال : يعني وفرض على الفرج : أن لا يهتكه بما حرم الله عليه : [ والذين هم لفروجهم حافظون ] وقال : [ وما كنتم تسترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم ] الاية يعني بالجلود : الفرج والافخاذ فذلك ما فرض الله على الفروج من حفظهما عما لا يحل له وهو عملهما .
    وفرض على اليدين ألا يبطش بهما الى ما حرم الله تعالى وأن يبطش بهما الى ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات فقال في ذلك : [ياأيها الذين امنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق ] الى اخر الاية وقال :[فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد واما فداء ] لآن الضرب والحرب وصلة الرحم والصدقة من علاجها .
    وفرض على الرجلين ألآ يمشي بهما الى ما حرم الله جل ذكره فقال فى ذلك : [ولا تمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا ] .
    وفرض على الوجه السجود لله بالليل والنهار ومواقيت الصلاة فقال في ذلك : [ ياايها الذين امنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ] وقال :[(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ] يعني المساجد :ما يسجدعليه ابن ادم في صلاته من الجبهة وغيرها .
    قال : فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح وسمى الطهور والصلوات ايمانا في كتابه وذلك حين صرف الله تعالى وجه نبيه صلى الله عليه وسلم من الصلاة الى بيت المقدس وأمره بالصلاة الى الكعبة وكان المسلمون قد صلوا الى بيت المقدس ستة عشر شهرا فقالوا يارسول الله أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها الى بيت المقدس ما حالها وحالنا ؟ فانزل الله تعالى : [ وما كان الله ليضيع ايمانكم ان الله بالناس لرؤف رحيم ] فسمى الصلاة ابمانا فمن لقي الله حافظا لصلواته حافظا لجوارحه مؤديا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها - لقي الله مستكمل الايمان من اهل الجنة ومن كان لشيء منها تاركا متعمدا مما أمر الله به – لقي الله ناقص الايمان " .
    قال عرفت نقصانه وتمامه فمن اين جاءت زيادته ؟ قال الشافعي : " قال الله جل ذكره : [ واذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين امنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرون ] وقال : [ انهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدى ] .
    قال الشافعي : ولو كان هذا الايمان كله واحدا لا نقصان فيه ولا زيادة - لم يكن لاحد فيه فضل واستوى الناس وبطل التفضيل ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله (في الجنة ) وبالنقصان من الايمان دخل المفرطون النار .
    قال الشافعي : ان الله جل وعز سابق بين عباده كما سوبق بين الخيل يوم الرهان ثم انهم على درجاتهم من سبق عليه فجعل كل امرىء على درجة سبقه لا ينقصه فيه حقه ولا يقدم مسبوق على سابق ولا مفضول على فاضل وبذلك فضل اول هذه الامة على اخرها ولو لم يكن لمن سبق الى الايمان فضل على من أبطأ عنه – للحق اخر هذه الامة بأولها .

    بعد هذا العرض الموجز لاصول مذهب الامام الشافعي وعقيدته ، نتطرق الى شعره . فقد عرف الامام الشافعي كامام من أئمة الفقه الاربعة ، لكن الكثيرين لا يعرفون أنه كان شاعرا .
    لقد كان الشافعي فصيح اللسان بليغا حجة في لغة العرب عاش فترة من صباه في بني هذيل فكان لذلك اثر واضحا على فصاحته وتضلعه في اللغة والادب والنحو ، اضافة الى دراسته المتواصله واطلاعه الواسع حتى اصبح يرجع اليه في اللغة والنحو .فكما مر بنا سابقا فقد قال الاصمعي صححت اشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس . وقال احمد بن حنبل : كان الشافعي من افصح الناس ، وكان مالك تعجبه قراءته لانه كان فصيحا .وقال احمد بن حنبل : ما مس أحد محبرة ولا قلما الا وللشافعي في عنقه منة . وقال ايوب بن سويد : خذوا عن الشافع اللغة .
    ويعتبر معظم شعر الامام الشافعي في شعر التأمل ، والسمات الغالبة على هذا الشعر هي ( التجريد والتعميم وضغط التعبير ) وهي سمات كلاسيكية ، اذ ان مادتها فكرية في المقام الاول ، وتجلياتها الفنية هي المقابلات والمفارقات التي تجعل من الكلام ما يشبه الامثال السائرة او الحكم التي يتداولها الناس ومن ذلك :

    ما حك جلدك مثل ظفرك *** فتول انت جميع امرك

    ما طار طير وارتفع *** الا كما طار وقع

    نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا

    ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت اظنها لا تفرج

    وقال ايضا :

    اذا رمت ان تحيا سليما من الردى *** ودينك موفور وعرضك صن
    فلا ينطق منك اللسان بسؤة *** فكلك سؤات وللناس ألسن
    وعيناك ان ابدت اليك معائبا *** فدعها وقل ياعين للناس اعين
    وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى *** ودافع ولكن بالتي هي أحسن

    وقال ايضا :

    الدهر يومان ذا أمن وذا خطر *** والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر
    أما ترى البحر تعلو فوقه جيف *** وتستقر بأقـصى قـاعه الدرر
    وفي السماء نجوم لا عداد لها *** وليس يكسف الا الشمس والقمر

    واذا كان شعر التأمل ينزع الى التجريد والتعميم ، فليس معنى ذلك انه خال تماما من الصور والتشبيهات الكلاسيكية ، ولكنها تشبيهات عامة لاتنم عن تجربة شعرية خاصة ، فشعر التأمل ينفر من الصور الشعرية ذات الدلالة الفردية ، ويفضل الصور التي يستجيب لها الجميع .فالشافعي يقدم لنا اقوالا نصفها اليوم بأنها تقريرية .
    في أدناه صورا من أشعار الامام الشافعي :

    ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا مني لعفوك سلما
    تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما
    فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل *** تجود وتعفو منة وتكرمــا

    اما قوله في الزهد قوله :

    عليك بتقوى الله ان كنت غافلا *** يأتيك بالارزاق من جيث لاتدري
    فكيف تخاف الفقر والله رازقا *** فقد رزق الطير والحوت في البحر
    ومن ظن ان الرزق يأتي بقوة *** مـا أكـل الـعصفـور مـن النسـر
    نزول عـن الدنـيا فـأنك لا تدري *** أذا جن ليل هل تعش الى الفجر
    فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

    وعن مكارم الاخلاق قوله :

    لما عفوت ولم احقد على أحد *** أرحت نفسي من هم العداوات
    اني أحيي عدوي عند رؤيتـه *** لادفع الشــر عـني بـالتحيــات
    وأظهر البشر للانسان أبغضه *** كما ان قد حشى قلبي محبات
    الناس داء وداء الناس قربهم *** وفي اعتـزالـهم قطـع المـودات

    ومن مناجاته رحمة الله قوله :

    بموقف ذلي دون عزتك العظمى *** بمخفي سـر لا أحيط به علما
    باطراق رأسـي باعترافي بذلتي *** بمد يدي استمطر الجود والرحمى
    بأسمائك الحسنى التي بعض وصفها *** لعزتها يستغرق النثر والنظما
    أذقنا شراب الانس يا من اذا سقى *** محبا شرابا لا يضام ولا يظما

    وفي ختام هذه الوقفات من سيرة الامام الشافعي نتطرق الى تواضعه وورعه وعبادته فان الشافعي مشهورا بتواضعه وخضوعه للحق وتشهد له بذلك دروسه ومعاشرته
    لاقرانه وتلاميذه وللناس . كما ان العلماء من اهل الفقه والاصول والحديث واللغة اتفقوا على امانة الشافعي وعدالته وزهده وورعه وتقواه وعلو قدره ، وكان مع جلالته في العلم مناظرا حسن المناظرة ، امينا لها طالبا للحق لا يبغي صيتا وشهرة حتى اثرت عنه هذه الكلمة : " ماناظرت احدا الا ولم أبال يبين الله الحق على لسانه او لساني " . وبلغ من اكبار احمد بن حنبل لشيخه الشافعي أنه قال حين سأله ابنه عبد الله : أي رجل كان الشافعي ، فأني رأيتك تكثر الدعاء له ؟ قال : " كان الشافعي كالشمس للنهار وكالعافية للناس ، فانظر هل لهذين من خلف او عنهما من عوض " .
    وكان الشافعي رحمه الله فقيه النفس ، موفور العقل ، صحيح النظر والتفكر ، عابدا ذاكرا . وكان رحمه الله محبا للعلم حتى انه قال : " طلب العلم افضل من صلاة التطوع " ومع ذلك روى عنه الربيع بن سليمان تلميذه أنه كان يحي الليل صلاة الى ان مات رحمه الله ، وكان يختم في كل ليلة ختمة .
    وروى الذهبي في السير عن الربيع بن سليمان قال : كان الشافعي قد جزأ الليل ، فثلثه الاول يكتب ، والثاني يصلي ، والثالث ينام . وقال الذهبي افعاله الثلاثة بالنية ، والحق ما قاله الذهبي ، فان النيات صنعة العلماء ، والعلم اذا أثمر العمل وضع صاحبه على طريق النجاة ،وما أحوج امتنا اليوم الى العلماء العاملين الصادقين العابدين الذين تفزع اليهم الامة في الازمات وما اكثرها ولا حول ولا قوة الا بالله .
    وظل الامام الشافعي في مصر ولم يغادرها يلقي دروسه ويحيط به تلامذته حتى لقي ربه في (30 رجب 204 هجرية ) ومن اروع ما رثي به من الشعر قصيدة لمحمد بن دريد يقول في مطلعها :

    ألم تر اثار أبن ادريس بعده *** دلائلها في المشـكلات لوامع

    وأخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على أشرف الخلق سيدنا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين ،وحسبنا الله ونعم الوكيل ،نعم المولى ونعم النصير .

    المراجع :

    احمد تمام ـ الشافعي ملامح واثار في ذكرى وفاته .
    د.محمد عبد الرحمن الخميس ـ اعتقاد ائمة السلف اهل الحديث .
    محمد خميس ـ الامام الشافعي …….شاعرا .
    موسوعة المورد الحديثة .
    الهيئة المصرية للكتاب ـ ديوان الامام الشافعي.
    طريق الاسلام ـ قيام الشافعي .
    المصدر

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:32 pm

    بشارة النبي صلى الله عليه و سلم به: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي و ابن عباس: "اللهم اهدِ قريشاً فإنَّ العالِم منهم يسع طباق الأرض في آخرين"، رواه أحمد و الترمذي وقال حسن.

    وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسبّوا قريشاً فإنَّ عالِمها يملأ الأرض علماً "، قال ابن حجر الهيثمي حديث حسن له طرق عديدة.



    اسمه ونسبه وتاريخ ميلاده: هو محمد بن إدريس الشافعي، وُلِدَ بالاتفاق عام 150 هجرية أي في العام الذي توفي فيه أبو حنيفة وقد غالى البعض فقال في اليوم نفسه الذي مات فيه أبو حنيفة. والصحيح الذي ذهب إليه الجمهور أنه ولِدَ في غزة في فلسطين، والده قرشي ويلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف جده صلى الله عليه وسلم. أما أمه فمن قبيلة أخرى، من قبيلة الأسد وهي قبيلة عربية أصيلة و لكنها ليست قرشية. ولِدَ الشافعي في أسرة فقيرة جداً، وبعد ولادته بعامين توفي أبوه فقررت أمه العودة بابنها محمد إلى مكة لأنه قرشي حتى لا يضيع نسبه ولأن له سهم من ذوي القربى.

    ولكن هذا المال الذي كانت تأخذه من سهم ذوي القربى كان قليلاً وقليلاً جداً، فعانت هي ووليدها محمد حرماناً وفقراً. ولكن الأم كانت قوية الشخصية راسخة الإيمان، على جانب من العلم والحفظ، فأرادت لولدها أن يتعلم و يحفظ فدفعت به إلى مكان في مكة يقرىء الصبيان. ولكن الأم لم تجد أجر المعلم، فكان الشيخ المقرىء يهمل ويقصِّر في تعليم الصبي المتعطِّش إلى العلم والمعرفة ولكن كان المعلم إذا علَّم صبياً شيئاً، تلقَّف الشافعي ذلك الكلام ثم إذا قام المعلم من مكانه ليقضي شأنه أخذ محمد مكانه وراح يعلم الصبيان تلك الأشياء. و رآه المعلم يفعل ذلك، فارتاحت نفسه و نظر إلى أنَّ الشافعي يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي يطمع بها منه فترك طلب الأجرة واستمرت هذه الحال مع الشافعي حتى حفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره ومنهم من قال و هو ابن سبع سنين.

    عُرِفَ الشافعي بشجو صوته في القراءة. قال بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه ( يصلي في الحرم ) استفتح القرآن حتى يتساقط الناس ويكثر عجيجهم بالبكاء من حُسن صوته فإذا رأى ذلك أمسك من القراءة.

    تحصيله وطلبه للعلم: كانت أمه قد وجَّهته لأتقان القراءة والتلاوة والتفسير على شيوخ المسجد الحرام ولم يكد يبلغ الثالثة عشرة من عمره حتى أتقن ذلك إتقاناً جيداً ملفتاً للنظر. ثم اتجه الشافعي إلى علم الحديث فلزم حلقة سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي في المسجد الحرام. وكان الورق غالي الثمن باهظ التكاليف والشافعي وأمه في قلة وفقر فكيف يفعل في التدوين؟ يُروى أنه كان يلتقط العظام العريضة فيكتب عليها أو يذهب إلى الديوان فيجمع الأوراق المهملة التي يلقى بها فيستوهبها ويكتب على ظهرها. هذه المعاناة وفقته إلى أن يعتمد على الحفظ فتكوَّنت لديه حافظة قوية ساعدته مستقبلاً على حفظ كل ما يسمع وما يُلقى إليه من علم ومعرفة.

    وبذكائه وملاحظته أدرك الشافعي أنَّ لغة قريش قد دخلتها ألفاظ غريبة ولم يعد لسانها هو اللسان العربي السليم في فصاحته وبيانه، وعلِمَ أنه لا يستطيع أن يجيد علوم القرآن والحديث واستخراج الأحكام من النصوص إلا إذا أتقن اللغة العربية الصحيحة. وكان يحضر في المسجد الحرام دروس إمام مصر الليث بن سعد حين يأتي حاجاً أو معتمراً وكان يوصي مستمعيه أن يتقنوا اللغة وأسرارها وأن يتعلموا خاصة كلام هُذَيل وهم قبيلة في البادية وأن يحفظوا أشعارهم لأن هذيل أفصح العرب. انطلق الشافعي إلى مضارب هذه القبيلة فأقام في ظهرانيهم و لازمهم عشرة أعوام عكف خلالها على دراسة اللغة وآدابها وحفظ الشعر (حفظ أكثر من عشرة آلاف بيت) كما تعلَّم الرماية والفروسية وبرع فيهما. وروى الشافعي عن نفسه فقال: كانت همَّتي في شيئين، في الرمي والعلم فصرتُ في الرمي بحيث أصيب عشرة من عشرة ". وسكتَ عن موضوع العلم تواضعاً عِلماً أنه في العلم أكثر من ذلك. عاد إلى مكة وهو يحمل ثروة هائلة من شعر وأدب العرب حتى قال الأصمعي - راوية العرب المشهور - " صحَّحتُ أشعار الهُذَليين على فتى من قريش يُقال له محمد ابن إدريس ". وأصبح الشافعي حجة عصره في اللغة. وعاد إلى مكة ليتعلَّم عند علمائها من أتباع عبد الله بن عباس وجعفر الصادق.

    وكان الإمام سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام.

    وكان الشافعي يوماً يحضر مجلس ابن عيينة فحدَّث ابن عيينة بحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً، فأتته صفية، فلما ذهبت ترجع مشى النبي صلى الله عليه وسلم معها فأبصره رجل من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها صفية، إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ". فقال ابن عيينة: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله ؟ فقال الشافعي: لو كان القوم اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا بتهمتهم إيّاه كفاراً و لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدَّب مَن بعده فقال إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أمين الله في وحيه - يُتَّهم. فقال ابن عيينة: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا ما نحبه. ولا عجب في ذلك فقد كان يعمل و يهتدي وفق توجيهات أمّه البارّة التي كانت عالمة، حافظة وفقيهة. فقد استُدعِيَت مرة للشهادة أمام قاضي مكة و معها امرأة أخرى وأراد القاضي أن يفرِّق بينها وبين المرأة الأخرى في الشهادة ليسمع كلاّ منهما على حدة، فاعترضت وطلبت إلى القاضي أن تكون شهادتها وشهادة المرأة الأخرى بحضور كليهما واستدلَّت على ذلك بقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282].

    وأجازه شيخ الحرم الإمام مسلم بن خالد الزنجي وكان أول من أجازه فقال له وهو غلام: أنت يا أبا عبد الله والله لقد آن لك أن تفتي. ولكن الشافعي مع هذا رفض أن يفتي وكيف يفعل ذلك وهو يعتبر أنَّ سلّم العلم ما زال طويلاً، وكيف يفعل ذلك والإمام مالك في المدينة وقد سمع من حديثه عندما جاء حاجّاً إلى بيت الله الحرام ؟!!!.

    وأدرك الشافعي ما عند مالك من علم واسع وأحب لقاءه ولكنه تهيَّبَ أن يرحل إليه قبل أن يأخذ من علومه شيئاً، فأقبل على الموطأ فحفظه غيباً ولم يكن يملك ثمنه فاستعاره وحفظه. وخشيَ أن لا يستقبله الإمام مالك لحداثة سنِّه فلقد اشتُهِرَ عن مالك أنه رغم سماحته و طيب خُلُقه كان صارماً في العمل ولا يبيح وقته للناس ولا يستقبل من يطرق بابه خلال راحته في داره. ولكن الشافعي الشاب المتوقد المتوهج المتعطش إلى غَرف العلم لا يشبع نهمه الجلوس في حلقات درس مالك في المسجد ولكنه يريد أن يتفرَّد بلقائه. فتوسطت له أمّه عند والي مكة،فأرسل معه رسالة إلى والي المدينة. فلما وصلت الرسالة إلى والي المدينة وقرأها قال: يا فتى إنَّ مشيي من جوف مكة إلى جوف المدينة حافياً راحلاً أهوَن عليّ من المشي إلى باب مالك، فلستُ أرى الذل حتى أقف على بابه !.

    فقال الشافعي: أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر. فقال الأمير: هيهات، ليت أني لو ركبت ُ أنا ومن معي وأصابنا من تراب العتيق (حي يسكنه مالك) نلنا بعض حاجتنا. وواعده على الذهاب إلى مالك في وقت العصر. ويروي الشافعي فيقول: وركبنا جميعاً، فوالله لكان كما قال، لقد أصابنا من تراب العتيق فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاكِ أني بالباب. فدخلت ثم خرجت فقالت: إنَّ مولاي يقرئكَ السلام و يقول إن كان لديك مسألة فارفقها في رقعة يخرج إليك الجواب و إن كان للحديث فقد عرفتَ يوم المجلس فانصرِف. فقال لها الأمير: قولي له إنَّ معي كتاب والي مكة إليه في حاجة.

    فدخلت وخرجت وإذا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية، فرفع الوالي الكتاب إلى الإمام مالك فطفق يقرأه فلما بلغ إلى هذا: " إنَّ هذا رجل يهمني أمره وحاله فتحدثه ...وتفعل ... وتصنع ... ". فرمى مالك الكتاب من يده ثم قال: سبحان الله أوَ صار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخّذ بالرسائل ؟!!! قال الشافعي: فرأيتُ الوالي قد تهيَّب أن يكلِّمه فتقدمتُ وقلت: " أصلحك الله ... إني رجل مطلبيّ من بني المطَّلِب وحدَّثتُه عن حالتي و قضيتي فلما سمع كلامي نظر إليَ و كان لمالك فراسة فقال: ما اسمك ؟ قلت: محمد، فقال: " يا محمد إنه سيكون لك شأن وأي شأن، إنَّ الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية. إذا جاء الغد تجيء مصطحباً معك ما تقرأ به ". وطلب منه أن يأتي بمن يقرأ له الموطأ لصغر سنه ولكن الشافعي جاءه في اليوم الثاني ومعه الموطأ وبدأ يقرأ عن ظهر غيب والكتاب في يده. وكلما قرأ قليلاً تهيَّب مالكاً وأراد أن يقطع ولكن أعجب مالك حُسن قراءته وإعرابه فقال: زد يا فتى، حتى قرأ عليه الموطأ في أيام يسيرة. قال مالك عنه: ما يأتيني قرشي أفهممن هذا الغلام، وقال: إن يك يفلح فهذا الغلام.

    ولازم الشافعي مالكاً تسعة أعوام ولم ينقطع عنه إلا لزيارة أمّه أو لرحلة علمية و كان قد ذهب في بعض الرحلات إلى العراق وحصل ثروة من علم أبي حنيفة. وتلقى الشافعي علومه من مالك ومن باقي علماء المدينة. وكانت المدينة أجلّ بلد حافظ على الطابع الإسلامي الأصيل، و أكثر الصحابة كانوا فيها، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من حنين ترك فيها نحو اثني عشر ألف صحابي، لبث فيها نحو عشرة آلاف، ثم ماتوا فيها و تفرَّق في سائر الأقطار نحو ألفين. وما كان يوثَق بعلم العالم في جميع أقطار الخلافة الإسلامية إلا أن يؤم المدينة، يختلف إلى علمائها و يروي عن حفاظها.

    وفي إحدى رحلات الشافعي العلمية غاب عن المدينة زهاء عامين وكان دائم السؤال عن شيخه مالك، ويوم عاد دخل الحرم النبوي و تهيَّأ للجلوس في حلقة مالك وما هي إلا لحظات حتى وصل مالك وفاح ريح الطيب في أرجاء المسجد وجلس مالك على كرسي أُعِدَّ له وأخذ يلقي المسائل على التلاميذ المتحلقين حوله ومن بينهم وفي زحمتهم الشافعي الذي لا يكاد يراه مالك. سكت الحاضرون ولم يجيبوا على مسائل مالك فتضايق الشافعي ثم أوحى بالجواب إلى الذي بجواره وكذلك بجواب آخر وآخر، مالك يلقي المسألة وجار الشافعي يجيب، ثم سأله مالك متعجباً: من أين لك هذا العلم ؟ فقال إنَّ بجانبي شاباً يقول لي الجواب وإذا هو الشافعي فتلقاه مالك بالترحاب والحفاوة والسرور وقال له: أتمم أنت هذا الباب وهذه إجازة من مالك للشافعي بالفتيا . فلما كان عام 179 توفي مالك و بكاه الشافعي بكاءً حاراً. وكان الشافعي يعاني من الفقر ولا يبالي في سبيل إقباله على العلم و الدراسة فلما توفي مالك شعر بفراغ فالتفت يبحث عن عمل وكان قد وصل إلى قمة الشباب، فبحث له بعض القرشيّن عن عمل في اليمن بواسطة والي اليمن، فأُعطِيَ عملاً جيداً في نجران دون مستوى المحافظ بشيء قليل.

    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:33 pm

    إتهامه بخيانة الخلافة العباسية : في اليمن تنامت ثروة الإمام الشافعي العلمية بالتعرف على فقه إمام مصر الليث بن سعد الذي كان تلامذته منتشرين هناك. ولكن والي مدينة نجران تحفَّظ عليه فوشى إلى هارون الرشيد بشأنه و شأن عدد من الناس معه كان مجموعهم عشرة و كانت الخلافة العباسية آنذاك تحسب حساباً للشيعة لاسيما العلويين - أي أسرة و ذرية سيدنا علي رضي الله عنه - ذلك لأن الخلافة العباسية قامت على سواعد الشيعة أي المتشيعين والمناصرين لعلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إلا أنَّ العباسيين تنكروا لهم بعد قيام الخلافة. لذا كانت الخلافة العباسية دائماً تخشى من ثورة العلويين عليهم. وكان والي نجران قد اتَّهم الشافعي بأنه يحرِّض العلويين على الثورة. وسيق إلى هارون الرشيد مكبَّلاً بتهمة خيانة الدولة وكانت عقوبة هذه الخيانة القتل. دخل الشافعي ثابت الفؤاد على الخليفة ينتظر الحكم عليه وهو يردد: " الله يا لطيف ... أسألك اللطف فيما جرت به المقادير ". قال الشافعي للخليفة: السلام عليك يا أمير المؤمنين و بركاته (دون أن يلفظ و رحمة الله). فردَّ عليه الرشيد: وعليك السلام ورحمة الله و بركاته، ثم أضاف فقال: بدأت بسنَّة لم تؤمر بإقامتها ، ورددنا عليك فريضة قامت بذاتها ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري أو إذني. فقال الشافعي: إنَّ الله تعالى قال: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا "، وهو الذي إذا وعد وفَّى، فقد مكَّنك في أرضه و أمَّنني بعد خوفي ... حيث رددت عليَّ السلام بقولك وعليك رحمة الله، فقد شملتني رحمة الله بفضلك. فقال الرشيد: وما عذرك بعد أن ظهر أنَّ صاحبك - يعني الثائر العَلَوي - طغى علينا وبغى واتَّبعه الأرذلون وكنتَ أنت الرئيس عليهم؟ فقال الشافعي: أما و قد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والإنصاف ولكن الكلام مع ثقل الحديد صعب، فإن جُدتَ عليّ بفكه أفصحتُ عن نفسي وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد. فأمَر الرشيد بفك الحديد عنه وأجلسه، فقال الشافعي: حاشا الله أن أكون ذلك الرجل، ولكن قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، [الحجرات: 6] لقد أفِك المبَلِّغ فيما بلَّغك. وإنَّ لي حرمة الإسلام وذمة النسب و كفى بهما وسيلة وما أنا بطالبيّ ولا عَلَوي و إنما أُدخِلتُ في القوم بغياً عليّ. أنا محمد بن إدريس، وأنا طالب علم. فقال الرشيد: أنت محمد بن إدريس؟ قال: نعم ، ثم التفت إلى محمد بن الحسن الشيباني وسأله: يا محمد ما يقول هذا؟ أهو كما يقول؟ قال محمد بن الحسن: إنَّ له من العلم شأناً كبيراً وليس الذي زعم عليه من شأنه (معلوم أنه بين العلماء المخلصين نسب أقوى من الرحم). وكأنَّ الله تعالى وضع هذه المحنة التي انزلق فيها الشافعي من أجل أن يعيده عز وجل من عمل الدنيا إلى عمل الآخرة وهذا واضح جداً و عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم و لكن هذه الحقيقة لا تظهر إلا آخراً عندما يكون الإنسان في طور المفاخرة وأمّا في طور الحكم الإلهي فيكون كالغائص في جوف البحر لا يعلم إلا من وثق بعلم الله سلفاً.

    لذا ينبغي للمسلم أن يراجع نفسه كل فترة من الزمن و يحاول أن يتذكر ما هي الأشياء التي حصلت معه في الماضي وظنها حينذاك شراً وإذا بها مع مَرّ السنين الخير كله، ذلك يفيد الإنسان بزيادة ثقته بالله تعالى فإنَّ أكثر المعاصي والإحباطات إنما هي ناتجة عن عدم الثقة بالله وعدم المشاهدة له دائماً عز وجل (ثقة عين اليقين).



    موقف الشافعي من الإمامة و الخلافة: كان الشافعي على عقيدة جمهور أهل السُنة و الجماعة و كان يستدل على أنَّ أولى الناس بالخلافة هو أبو بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّ امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله في أمر فقال لها ارجعي فيما بعد، فقالت: فإن لم أجدك؟ فأمرَها النبي عليه الصلاة والسلام أن تأتي أبا بكر، أي إن ذهبت وعادت وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد توفي فعليها أن تأتي إلى أبي بكر.

    إقامته في العراق: وبقي الشافعي في العراق فتعرَّف على محمد بن الحسن ووطَّد صلته به وعاد وتفرغ للعلم وترك الدنيا والعمل فيها.

    يقول الشافعي: " أخذتُ من محمد بن الحسن وقر بعير (أي حمل بعير) من سماعه عن أبي حنيفة، أي لو جمعتُ العلم الذي أخذته منه في كتب فإن هذه الكتب تبلغ حمل بعير وكل ما فيها ليس فيه شيء من عندي ،كله أخذته سماعاً من محمد بن الحسن ". انظروا إلى تواضع الشافعي الذي ما حال بينه و بين هذه الكلمة المكانة العالية التي تبوَّأها قد تقدَّم ربما على محمد بن الحسن وهو المجتهد المطلق ما قال في نفسه ماذا سيقول عني الناس لو سمعوا أني تلميذ محمد بن الحسن. و هذا من باب ذكر فضل أهل الفضل. وقد ملأ الشافعي كتابه " الرسالة " مناقشات طريفة جداً بينه و بين محمد بن الحسن الشيباني مُلئت علماً. وكان محمد بن الحسن يقدره تقديراً عظيماً ولا يؤثر على مجلسه مع الإمام الشافعي أي مجلس. وقد حصل أن اتفق يوماً أنَّ الإمام الشافعي كان ذات مرة متجهاً إلى بيت محمد ابن الحسن ليتدارس معه العلم وليأخذ منه ولكن محمد بن الحسن كان متجهاً إلى الموعد الذي كان قد ارتبط به مع الخليفة، فآثر مجلس الشافعي وتخلَّف عن مجلس الخليفة.

    لبث الشافعي في العراق زهاء عامين عاد بعدها إلى مكة وأخذ يدرس في الحرم المكي، وهذه فترة ازدهار علمه، منذ هذا العهد بدأ الشافعي يصب كل تفكيره ويعمل كل فهمه في تدوين الفقه وأصوله أي بدأ في تدوين موازين الاجتهاد وأصول استنباط الأحكام من نصوص القرآن والسنَّة حتى تجتمع العقول المختلفة على هذه الموازين. فالقرآن والسنة كلٌ منهما ملىء بالأحكام و لكن كيف نفهمهما، ما هي قواعد الفهم، ما هي قواعد الدلالة العربية التي على أساسها نستنبط الأحكام من القرآن ومن السنة؟ هذا ما بدأ يشغل بال الشافعي فوضع وخطط لهذا العلم و هو علم جديد لم يكن موجوداً من قبل هو "علم أصول الفقه ".

    بقي الشافعي في مكة تسع سنوات يجمع هذه القواعد ويدونها و ينسجها وقبل ذهابه إلى مكة كان قد زار مسجد الإمام الأعظم أبي حنيفة وهناك صلى الفجر على مذهب الإمام (أي أبو حنيفة) مخالفاً مذهبه في الحركات والقنوت وما إلى ذلك، ولما سُئِلَ عن ذلك قال: إني فعلته أدباً مع الإمام أبي حنيفة أن أخالفه في حضرته. انظروا إلى أدب علمائنا بعضهم مع بعض.





    تأليفه لكتابه " الرسالة " وأهميته: أصبح من عادة الشافعي أن يجلس في الحرم عند بئر زمزم حيث كان يجلس الصحابي الجليل شيخ المفسرين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

    وبدأ يؤلف في مكة كتابه " الرسالة "، وكان صيته العلمي في هذا الوقت يطبق الآفاق في مختلف أنحاء البلاد و مقاطعات الدولة الإسلامية الشاسعة، فيأتيه طلاب العلم والمعرفة من أقصى الأماكن وكان من هؤلاء أحمد بن حنبل الذي كان تلميذاً للإمام ابن عيينة إمام الحديث في عصره في المسجد الحرام. وابن عيينة كان يروي جلّ أحاديثه عن الزهري وهو أعلى الأسانيد، فكان الناس يغشون مجلسه. و لكن الإمام أحمد لما علم بمجلس الشافعي وسمع منه ترك مجلس ابن عيينة وأصبح يغشى مجلس الشافعي فلما سئل عن ذلك قال: إنك إن فاتك الحديث بعلوّ تجده بنزول ولا يضرك ذلك أما إن فاتك عقل هذا الفتى -يقصد الشافعي- فإني أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيتُ أحداً أفقه بكتاب الله تعالى من هذا الفتى القرشي. و كان أحمد يقول: كان الفقه مقفلاً على أهله حتى فتحه الله للإمام الشافعي. قال الحسن بن محمد الزعفراني: كنا نحضر مجلس بشر المريسي المعتزلي القدري المُناظر البارع وكنا لا نقدر على مناظرته فسألنا أحمد بن حنبل فدلَّنا على الشافعي، فسألناه شيئاً من كتبه فأعطانا كتاب اليمين مع الشاهد فدرسته في ليلتين ثم غدوتً على بشر المريسي وتخطَّيتُ إليه فلما رآني قال: ما جاء بك يا صاحب الحديث؟ قال الحسن الزعفراني: ذرني من هذا، ما هو الدليل على إبطال اليمين مع الشاهد؟ فناظرته فقطعته فقال: ليس هذا من كيسكم ، هذا من كلام رجل رأيتُه بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا. وكان بشر المريسي لما رأى الشافعي المفتي في مكة يحدِّث قال لأصحابه المعتزلة : إني لا أخاف عليكم من أحد و لكني أخاف عليكم من هذا الفتى فإنَّ معه نصف عقل أهل الدنيا.

    والذي يدعو إلى الإعجاب أن يكون الشافعي كتب هذه الرسالة في أصول الفقه وهو شاب و كان قد طلبها منه إمام المحدِّثين في بغداد لكي يستفيد منها هو وغيره من كبار العلماء في كيفية فهم النصوص. ولما كتب الشافعي الرسالة ووصلت إلى إمام المحدثين في بغداد، جعل يتعجب ويقول: لو كانت أقل لنفهم.

    وقال الإمام المزني: قرأتُ الرسالة خمسماية مرة، ما من مرة إلا واستفدتُ منها فائدة جديدة . وفي رواية عنه قال: أنا أنظر في الرسالة من خمسين سنة، ما أعلم أني نظرتُ فيها مرة إلا واستفدتُ شيئاً لم أكن عرفته.

    كتاب " الرسالة " هو مقدمة ضخمة لكتابه " الأم " مثل مقدمة ابن خلدون لكتابه " تاريخ الأمم والملوك "، ومقدمة ابن خلدون ليست كتاباً مستقلاُ وإنما هي مقدمة لموسوعة تاريخية ولأهمية هذه المقدمة طُبِعَت طبعاً مستقلاً واُفرِدَت باسم مستقل وأصبحت مقدمة ابن خلدون اسم مستقل تماماً وكذلك كتاب " الرسالة " فهو في أصله عبارة عن مقدمة كبيرة وواسعة جداً لكتاب " الأم " وهو عبارة عن سبعة أجزاء، إلا أنَّ " الرسالة " فيما بعد أُفرِدَت بالطباعة وأصبحت عبارة عن كتاب مستقل لأنه يحوي علماً مستقلاً، وقد تضمَّن ما يلي:

    أولاً: بيان أنَّ أي علم شرعي لا بد أن يدور على فلك نص مأخوذ من الكتاب أو السُنَّة. ثم أكَّد أهمية وحجية حديث الآحاد (وحديث الآحاد هو الحديث الذي يرويه صحابي واحد أو اثنين أو ثلاثة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) وقد ذكرنا طرفاً من ذلك من قبل، واستدلَّ على حجية الآحاد بأدلة كثيرة منها:

    - أنَّ الله تعالى حينما أنزل في القرآن الكريم تحويل القِبلة من المسجد الأقصى إلى مكة المكرمة، جاء صحابي وأخبر الصحابة الذين كانوا يصلّون في مسجد ذي القِبلتين فاستداروا وهم في الصلاة، فإذاً أخذوا بخبر الواحد!.

    - حينما أنزل الله تعالى آية تحريم الخمر، أخبر صحابي باقي الصحابة بذلك، فانتهوا وألقوا خمورهم.

    - إنَّ النبي صلى الله عليه و سلم بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن ليبلِّغ عنه ولقد أخذ عنه أهل اليمن.

    إنَّ الله عز وجل قد أمرنا أن نأخذ بقول الشاهدين وهما من الآحاد.

    وهذا الأمر أي حجية حديث الآحاد لم يخالف فيه أحد من الأئمة الأربعة وإنما اختلفوا في نسخ الآحاد للقرآن أي هل ينسخ حديث الآحاد حكم آية من كتاب الله تعالى وهل يخصص هذه الآية أم لا؟.

    وكان قد ظهر في عصر الشافعي من يدَّعي أنه يأخذ بالقرآن الكريم وحده ويدع العمل بالحديث الآحاد وهم من الزنادقة، فردَّ عليهم الشافعي رداً مفحماً وسمّيَ بذلك " نصير السُنَّة النبوية ".

    ثم عقد الشافعي باباً سمّاه " الدلالات " أي كيف تدل النصوص على معانيها سواء كان المفهوم الموافق أو المفهوم المخالف و كيف نستخرج قواعد القياس على نص في كتاب الله تعالى.

    وأوضح البيان، أي كيف يمكن أن يكون القرآن بعضه بياناً لبعض وأنّ النص قد يكون عامّاً وقد يكون خاصاً وقد يكون مطلقاً وقد يكون مقيَّداً. والنص المطلق يمكن أن يأتي نص آخر في المعنى ذاته فيقيِّده و يفسِّره.

    وأوضح أيضاً فيما إذا كان يمكن للسُنَّة أن تخصص القرآن العام أو أن تقيِّده وهل يصح العكس.

    باختصار كتاب " الرسالة " هو عبارة عن مفاتيح لكيفية فهم الأحكام من النصوص. وقد كان المجتمع آنذاك يفتقر إلى هذا العلم ولم يكتب فيه أحد قبلاً ، صحيح أنَّ الإمام أبو حنيفة والإمام مالك كل منهما بنى فقهه على أصول ومبادىء و لكن هذه المبادىء لم تسجَّل ولم يُصرَّح بها كلها بل إنَّ تلامذتهما هم الذين استنبطوا الأصول من فروع المسائل. والذي أعان الشافعي على هذا العلم علم استنباط الأحكام من النصوص فضلاً عن كونه عالماً بالفقه والحديث وبلوغه درجة قصوى من الذكاء، هو أنه عاش في البادية عشر سنوات حيث أخذ الطبيعة العربية والسليقة العربية من ينبوعها، فكان يعلم كيف يفهم الرجل العربي الجملة وكيف يأخذ المعنى إثر المعنى من الجملة الواحدة، ومما جعل من الشافعي حجةً في اللغة.

    عودة الشافعي إلى العراق: عاد الشافعي إلى العراق وأقبل العلماء جميعاً من شتى المذاهب على كتاب " الرسالة " و أُعجِبوا به أيما إعجاب وكان الشافعي يشرح ويناقش هذه القواعد. وكان الشافعي يضرب في طول البلاد وعرضها في سبيل أن ينقل علم الحجاز إلى العراق و بالعكس و يجمع الكل تحت مظلة هذه القواعد، فلقد تنبَّه إلى ثغرات علماء العراق وهي أنهم كلما فقدوا النص استنجدوا بالرأي واستحسنوا ومالوا إلى ما تطمئنُّ إليه نفوسهم ولكن على أي أساس؟ وعلى أي قاعدة ؟ وما هو المقياس الذي يوضح الرأي المتفق مع شرع الله تعالى و حكمه و الرأي المتنكر عن شرع الله تعالى وحكمه؟ لا يوجد ! إذاً هذه هي الثغرة التي يعاني منها أهل العراق. أما أهل الحجاز فلاحظ أنهم يأخذون بالنص دون أن يتوغلوا في فهم طرق دلالته وقوانين هذه الدلالة. إذا رأوا نصاً في كتاب الله تعالى أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم تصوَّروا ضرورة تطبيق هذا النص دون التأمل في كيفيته وأسلوبه، وهذه هي ثغرتهم، فكان كتاب الرسالة سداً لثغرة أهل الحديث فتقبله المسلمون في جميع أنحاء البلاد وأقبلوا عليه. ويقول الشافعي في هذا الموضوع: صحيح أننا لا نخرج عن دائرة النص ولكن هناك فرق بين من لا يغوص في أعماق النص ولا يتعمق به وبين من يبحث ويتفكر ويتعلم ويتعمق ويستنبط معان عديدة فيجد أنَّ مسافة النص 10 أمتار من حيث المعنى. وضرب على ذلك أمثلة عديدة فقال:

    - إنَّ الله عز وجل خاطب عباده في كتابه بألفاظ عامة وأراد منها الخاص وخاطب عباده بألفاظ خاصة وأراد منها العموم، مثال على ذلك: قوله عز و جل: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم " إنما أُريدَ بالناس الأولى رجل واحد هو أبو سفيان، فيكون هنا اللفظ عام يُراد منه الخاص.

    مثال على الخاص الذي يُراد منه العام: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]، فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده ولكن المقصود به عموم الناس.

    من هنا كثُرَ إعجاب الإمام أحمد بالشافعي فعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: جاء الشافعي يوماً إلى أبي يعوده -وكان عليلاً- فوثب أبي إليه، فقبَّل ما بين عينيه، ثم أجلسه في مكانه وجلس بين يديه. قال فجعل يسائله ساعة، فلما وثب الشافعي ليركب قام أبي فأخذ بركابه ومشى معه، فبلغ يحيى بن معين هذا الخبر فوجه إلى أبي: يا أبا عبد الله، يا سبحان الله! آضطرك الأمر إلى أن تمشي إلى جانب بغلة الشافعي ؟ فقال له أبي: و أنت يا أبا زكريا لو مشيتَ من الجانب الآخر لانتفعتَ به. قال: ثم قال أبي: من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة. وقال الفضيل بن زياد: قال أحمد بن حنبل: هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي، ما بتُّ مدة أربعين سنة إلا و أدعو الله للشافعي. قلتُ وهذا من شيَم أهل الفضل يعرفون الفضل لأصحابه.

    وكان الشافعي بالمقابل يحب و يجلّ الإمام أحمد كثيراً وكان يجلس بين يديه يتعلم منه الحديث ويقول له إذا صح عندك الحديث فأخبرني عنه. وكان الإمام أحمد يحدِّث ابنته كثيراً عن الشافعي وعن تقواه و علمه و في يوم نزل الشافعي ضيفاً عند أحمد و لعل ذلك كان في رحلة الشافعي الأخيرة له إلى بغداد ، فأعطاه غرفة لينام فيها. وكان الإمام أحمد كثير التعبد و كثير التنسك فأخذت ابنته تراقب الشافعي كيف تكون عبادته ومتى سيستيقظ من الليل وأيهما أكثر تعبداً والدها أم الشافعي. فلاحظت أنَّ غرفة الشافعي بقيت مظلمة إلى قُبَيل أذان الفجر بينما الإمام أحمد كان يقوم أكثر الليل. وفي الصباح قالت لأبيها: أهذا هو الشافعي الذي حدثتني عنه؟ فلم يجبها الإمام أحمد ودخل على الشافعي فقال له: كيف كانت ليلتك يا أبا عبد الله ؟ فقال له: لقد فكرتُ الليلة في بضع آيات من كتاب الله تعالى و روايةٍ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستخرجتُ منها أحكاماً كثيرة - و في رواية فوق الستين حكماً - فقال الإمام أحمد لابنته: لضجعة واحدة من الإمام الشافعي خير من صلاة أبيكِ الليل كله!.

    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:34 pm

    هذا يصور لنا كيف كان أدب و تعظيم أئمة المسلمين بعضهم لبعض ونظر كل واحد منهم إلى الآخر على أنه إمام و حجة. أما اليوم فللأسف كثير ممن يدَّعون حب إمام من الأئمة يسفِّهون أو ينتقدون إماماً آخر. وقد أنبأنا النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا الداء الخطير وأنه من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها.

    أسفاره وزيارته مصر: لقد طاف الشافعي في آفاق العالم الإسلامي، ولم يترك بقعة إلا زارها من الحجاز حتى أقصى الشرق والشمال ولكنه لم يأتِ مصر بعد. ومصر مهد عريق في الحضارة والعلم وهي في الوقت عينه مجتمع علماء فحول وفضلاً عن ذلك هي مدرسة إمامه وشيخه الليث بن سعد. وبينما إمامنا العظيم في تطلعه هذا إذ جاءته دعوة كريمة لزيارة مصر فوافقت هوى قلبه ونفسه وكانت الدعوة من أحد تلامذته ومُحبّيه، الفقيه العالم، والتاجر الواسع الثراء " ابن عبد الحكم ". فشد الشافعي رحاله على الفور وكان وداع الناس والعلماء خاصة له في بغداد مؤثراً جداً. كانوا يبكون ويحاولون إقناعه بالبقاء خصوصاً الإمام أحمد.

    وامتدت إقامة الشافعي في مصر خمس سنوات حيث استُقبِلَ استقبالاً حافلاً من مختلف الطبقات إذ سبقه صيته إلى هناك وحاول الكثيرون أن يستفيدوا من ضيافتهم له فعرضوا عليه الإقامة عندهم من الوالي حتى أقل الناس شأناً و لكن الشافعي آثر التشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة المنورة فنزل عند أقارب أمه.

    وكان أول ما فعله الشافعي أن قام بزيارة قبر الإمام الليث بن سعد ووقف عند القبر خاشعاً يردد و يقول: لله درُّكَ يا إمام ... لقد حزتَ أربع خصال لم يكملن لعالِم: العلم والعمل والزهد و الكرم.

    لقاؤه السيدة نفيسة وأخذه عنها العلم : كانت السيدة نفيسة رضي الله عنها حفيدة الحسن بن علي والحسين بن علي رضي الله عنهم موئل علم ودين و تقوى، تقيم في مصر، وكان الشافعي يعرف مقدارها ومكانتها. فاستأذن في زيارتها فأذنت له ورحبت به وأعجبها عقله وورعه وسمع منها ما لم يكن قد وصل إليه من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم.

    تدريسه و تأليفه لكتابه " الأم " : كان الشافعي جامعة علم في شتى الفنون، فكان يجلس في جامع تاج الجوامع في مصر بعد صلاة الفجر ويبدأ بالقرآن وعلومه فيأتيه علماء التفسير وعلوم القرآن الفطاحل ليتعلموا منه، فإذا انتهى تحوَّل إلى الحديث فيأتيه علماء الحديث ليتعلموا منه وإذا فرغ انتقل إلى علوم اللغة وآدابها فيأتيه علماؤها يدرسون عنه و هكذا .

    وفي مصر أعاد الشافعي النظر في " الرسالة " فجدد تأليفها - و" الرسالة " التي بين أيدي الناس اليوم هي "الرسالة" المؤلفة في مصر - كما أعاد النظر في كتابه " الحجة " فألَّف بدله كتاب " الأم " وهو مجموع لكتب كثيرة جديدة ألَّفها الشافعي في مصر وهذا الكتاب هو المعروف والمشهور في أيامنا. وتراجع الشافعي عن بعض مسائله الفرعية في العراق وأفتى بغيرها من هنا إذا قيل اليوم في المذهب الشافعي القديم فإنما يراد به أقواله في العراق المجموعة في كتابه " الحجة " وإذا قيل مذهب الشافعي الجديد فيراد به أقواله في مصر المجموعة في كتابه " الأم ". وابتكر الشافعي كتباً - كما يقول الإمام النووي - لم يسبق إليها، منها: أصول الفقه وكتاب " القسامة " وكتاب " الجزية " وكتاب " أهل البغي " وغيرها.

    فائدة : الفتوى اليوم هي على المذهب الجديد إلا في بعض المسائل التي لا تتجاوز العشرين مسألة حيث يُفتى فيها بالقول القديم.

    أدب الشافعي مع مخالفي مذهبه وعدم تعصبه: الشافعي رضي الله عنه إن وجد نفسه يخالف في بعض آرائه الإمام مالك، لم يكن يعرِّض لذلك ولم يكن يناقشه ولم يكن يتحدث حتى لا يضع نفسه من أستاذه موضع المناقِش أو الرّاد على رأيه ولكن في الوقت نفسه يخالف بأدب. إلى أن بلغه أنَّ في المغرب أناساً وصل بهم التقديس الأعمى للإمام مالك. فصاغ الشافعي هنا في هذا الوقت المتأخر من حياته " خلاف مالك " أي " خلافياتي مع مالك " وقال إنَّ الإمام مالك بَشَر يصيب ويخطِأ وهو أي الشافعي بشر يصيب ويخطأ وبدأ يناقش مسائل يرى خلافاً فيها مع مالك. وفي كثير من الأحيان ذهب كثير من الأئمة العظام ضحية عصبية تلامذتهم وهذا في التاريخ كثير. قد يكون الإمام عظيماً لكن له تلامذة يتعصبون ويتشنَّجون.

    من هنا كان الشافعي ينادي مراراً وتكراراً: إذا صح الحديث فهو مذهبي يعني إن صح حديثٌ لم أكن قد سمعتُ به و أفتيتُ بخلافه ووصل إليكم و فقهتم المعنى فإنَّ هذا هو مذهبي. إذاً هذا القول ليس موجهاً إلى عامة الناس وإنما هو موَّجه إلى فقهاء مذهبه وتلامذته وأصحابه. يعني مثلاً قد يأتي من يعترض وبالفعل فقد أتى في هذا الزمن كثير من اعترض على الشافعي، يقول مثلاً إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: " من لحم جزور فليتوضأ "، والشافعي يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي. نقول ليس مطلق حديث وقع عليه إنسان يستطيع أن يطبق عليه مقولة الشافعي إذ ينبغي أولاً أن يكون من أهل النظر والاجتهاد، ثانياً أن يرى هل اطَّلع على هذا الحديث الشافعي أو أصحابه أو فقهاء المذهب من بعد وكيف فسروه؟ ولقد رد الشافعية على هذا الحديث فقالوا هذه واقعة حال والواقعة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع بعض أصحابه وقد أكلوا لحم جزور وخرجت رائحة كريهة من أحد الحاضرين ثم حان وقت الصلاة و من البديهي أنَّ الذي سيذهب للوضوء سيُعلَم حاله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الأديب الرفيع الذوق قال رفعاً للحرج عن هذا الصحابي: من أكل لحم جزور فليتوضأ. هذه واقعة حال و وقائع الأحوال لا تصلح للاستدلال. ثم لو صح أنَّ لحم الجزور ينقض الوضوء، فمن المعلوم أنَّ أهل مكة والمدينة لا يأكلون في ذلك الوقت من اللحوم إلا لحم الإبل ولو صح أنه ينقض الوضوء لعُلِمَ ذلك وشاع ولكن لم يُنقَل إلا عن هذا الصحابي وفي هذه الحالة.

    وكان الشافعي يدعو إلى عدم التعصب في أمر من الأمور لأن الشيطان دائماً يتربص بالمسلمين على الأطراف التي تشكل الإفراط أو التفريط فكلما ابتعد الإنسان عن القصد في الطريق تخطَّفه الشيطان وإنه لا يستطيع أن يتخطَّفه إلا إذا خرج عن الجادة الوسطى كما قال تعالى: " إنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ".

    علم أصول الفقه و تعريفه: علم أصول الفقه إجمالاً هو الميزان العربي الذي تُزان به فهوم الفقهاء بنصوص الكتاب والسُنَّة. و هذا العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    - قسم يسمى: " الدلالات ".

    - قسم يسمى: " البيان ".

    - قسم يسمى: " صفات المجتهد و كيفية الإجتهاد".

    فقسم الدلالات عبارة عن كيف يفهم العربي الكلام العربي، مثلاً نقول الأمر (افعل، اقرأ، اكتب) يدل على الوجوب والنهي يدل على طلب الترك الجازم ويدل على الحرمة. اللفظ يدل بمعناه الإيجابي دلالة منطوق و يدل بمعناه السلبي دلالة مفهوم مخالف. هذه كلها دلالات والكلمة تتفاوت حسب قوة الدلالات على المعنى عبر سلم من الدرجات. فأقوى دلالة على المعنى إسمها " النص "، في الدرجة الثانية يأتي ما يسمى " بالظاهر "، وفي الدرجة الثالثة " المُجمَل "، وفي الرابعة " المتشابَه ". النص كيف يُفهَم و الظاهر كيف يؤوَّل ... هذا خلاصة قسم الدلالات.

    القسم الثاني وهو قسم " البيان " أي كيف يأتي نص في القرآن الكريم بياناً لنص آخر، وكيف يأتي نص من القرآن بياناً لحديث من السنَّة، وكيف يأتي حديث من السنة بياناً لنص من القرآن أي شرحاً له. كثيراً ما يأتي نص من القرآن عاماً محتملاً فيأتي نص آخر واضح وضع النقاط فيه على الحروف فيفسر هذا النص الذي يسمى الخاص على العام عن طريق ما يسمى بالتخصيص أو التقييد أو التأويل أو النسخ، وهذا خلاصة القسم الثاني.

    أما القسم الثالث وهو " الاجتهاد ": ما الاجتهاد؟ وبأي الأحكام نجتهد؟ القاعدة تقول أنه لا اجتهاد في معرض النص وإذا لم يكن هناك نص و لكن هناك إجماع أيضاً لا اجتهاد. وإذا كان الإجتهاد وارداً فما هي شروطه يا ترى ؟ وما هي شروط المجتهد أي ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه من علم ودراية وذوق وفقه وما إلى ذلك حتى يستطيع أن يجتهد؟ كل هذه الأسئلة تكمن إجابتها في هذا القسم.

    هل هناك خلاف في أصول الفقه بين العلماء ؟ الحقيقة أنَّ هناك خلاف بين الأئمة في بعض الفروع أما في أصول الفقه فالخلاف قليل جداً جداً. الإمام الشافعي عندما دوَّن هذا العلم وافقه العلماء الذين كانوا في عصره، فكل من المالكية والحنابلة والشافعية طبَّقوا هذه القواعد التي دوَّنها الشافعي، لذلك لا يوجد عندنا كتب أصول فقه للمالكية والحنابلة، فقط الحنفية هم الذين خالفوا الشافعي في مسائل في أصول الفقه. لذلك عندما ندرس أي كتاب في أصول الفقه نجد أنَّ هذه الأصول تأخذ أحد طرفين طريقة الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وتسمى طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية.

    ملاحظة: هنا قد يرد إشكال ألا وهو إن كان الإمام الشافعي هو الذي وضع قواعد أصول الفقه بمعنى أنَّ الفقه الذي تفرَّع من هذه الأصول يمكن أن نعتبره فقهاً وضعه الشافعي وبالتالي لا تثبت البيِّنة على أنَّ الفقه هو حكم الله عز و جل و شرعه المنزَل، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك إشكال آخر أثاره بعض المستشرقين يقول فيه: من أين جاء الإمام الشافعي بقواعد أصول الفقه ؟ لعله ابتدعها من عنده!.

    الجواب: إنَّ هنالك فرقاً دقيقاً ولكن هاماً جداً بين قولنا إنَّ الإمام الشافعي وضع علم أصول الفقه وبين قولنا إنه دوَّن علم أصول الفقه. الشافعي لم يخترع ولا قاعدة واحدة من قواعد علم أصول الفقه إطلاقاً وإنما بحكم أنَّ الشافعي حجة وإماماً في اللغة عكف على أساليب العرب و كيفية فهمهم للكلام والمعاني التي تُستَخلَص من العبارات فاستخرج من قواعد العرب و اصطلاحات اللغة العربية في الفهم والنطق استخرج من ذلك قواعد دوَّنها و لفت إليها أنظار الفقهاء والمحدِّثين. ولكي نقرب الصورة أكثر نضرب المثال التالي: إنَّ أول من دوّن علم اللغة العربية هو أبو الأسود الدؤلي، فهل لأحد أن يقول إذاً أن أبو الأسود الدؤلي اخترع اللغة العربية؟!!! فأبو الأسوَد الدؤلي إذا كان وضع قواعدها فهذا لا يعني أنه اخترعها. نحن جميعاً نعلم أنَّ اللغة العربية كانت موجودة من قَبل أبي الأسوَد بكثير وأنَّ الناس كانوا يرفعون الفاعل و ينصبون المفعول به و يجرّون المضاف إليه وما إلى ذلك قبل الدؤلي بقرون ولكن الذي حصل أنَّ أبا الأسوَد عمد بعبقريته الفذة إلى النطق العربي وتتبَّعه فوجد أنَّ العرب دائماً ترفع الفاعل وما إلى ذلك، فقعَّد له قوانين وقواعد حتى يستطيع من لا يجيد العربية بالسليقة أن ينطق النطق السليم. والكلام نفسه يًطَبَّق على الشافعي وعلم أصول الفقه، فالشافعي مثلاً وجد أنَّ العرب إذا سمعوا جملة ما، تدرك لها معناها الإيجابي وتأخذ بالاعتبار معناها السلبي. مثال على ذلك، عندما تسمع العرب حديث " مطل الغني ظلم " (أي إذا كان المدين مليئاً غنياً وماطل في دفع الدَّين المترتب عليه فهو ظالم) العرب قبل الفقهاء فهموا من هذا الكلام أنَّ مطل الفقير ليس بظلم وهذا ما سماه الشافعي " المفهوم المخالِف ". إذاً هو لم يخترع هذا وإنما تتبع لغة العرب وقعَّدها.

    منهج الشافعي العلمي: أخذ الشافعي بالمصالح المرسلة والاستصلاح و لكن لم يسمها بهذا الاسم وأدخلها ضمن القياس وشرحه شرحاً موسعاً. وكذلك كان الشافعي يأخذ بالعرف مثل مالك ولكن كل لدرجة ما.

    يروى إنه في أحد الأيام ، في مجلس مالك ، كان فيه الشافعي، جاء رجل يستفتي مالكاً، يقول أنه ابتاع طائراً من رجل أقسم البائع بالله تعالى وفي رواية بالطلاق أنَّ طائره هذا لا يفتأ عن التغريد. فلما أخذه الشاري وجده يغرد حيناً و يسكت حيناً، فسأل مالكاً فقال له: لك حق خيار العيب (أي أنه لك الحق في رده بسبب عيب فيه) وقد حنث في يمينه أو على الرواية الأخرى وقع الطلاق. وكان الشافعي جالساً في ذلك المجلس ولكنه لم يتكلم أدباً مع شيخه مالك. فلما ذهب الرجل لحق به وسأله: طائرك يغرد في اليوم أكثر أو يسكت أكثر؟ قال الرجل: بل التغريد أكثر، فقال له الشافعي: إذاً البيع صحيح و ليس لك خيار العيب ولم يحنث وفي تلك الرواية لم يقع الطلاق. فجاء الرجل إلى مالك ، فلما ناقشه الشافعي قال له: يا سيدي، الألفاظ التي ننطق بها إنما نضعها في ميزان العرف الشرعي إن وُجِد (مثل الطلاق و العتق ... )، لكن إن فُقِدَ العرف الشرعي عندئذ نشرحه بالعرف اللغوي الدارج بين الناس فإن فُقِدَ العرف اللغوي الدارج بين الناس نعود إلى اللغة العربية في جذورها وأمهاتها. ونحن نعود في هذا إلى كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد روينا عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنَّ امرأة جاءت تستشيره في رجلين قد خطباها فأيهما تتزوج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أما فلان فلا يضع العصا عن عاتقه و أما فلان فصعلوك (أي لا يليق بك من حيث المستوى الإجتماعي وغيره). قال الشافعي: فقوله صلى الله عليه وسلم لا يضع العصا عن عاتقه كناية عن كثرة السفر وقد علمت أنه يصلي فيضع العصا عن عاتقه و يأكل ويضعها عن عاتقه وينام ويغتسل وفي كل ذلك يضع العصا عن عاتقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما يقول، إذاً هذه الكلمة سارت مسار العرف الدارج وهنا (أي في مسألة الطائر) عرف في السوق لو قال البائع هذا الطائر لا يفتأ عن التغريد يعني أنَّ أكثر أوقاته التغريد.

    وكان الشافعي يتمسك بالأحاديث الصحيحة ويعرِض عن الأخبار الواهية والموضوعة

    واعتنى بذلك عناية فائقة. وقال الشافعي ذاكراً فضل الله تعالى عليه: ما كذبت قط وما حلفت قط بالله تعالى صادقاً ولا كاذباً. قال أبو زُرعة: ما عند الشافعي حديث فيه غلط.

    وقد وضع الشافعي في فن مصطلح الحديث مصطلحات كثيرة، لم يُسبَق إليها مثل: الاتصال والشاذ والثقة والفرق بين حدَّثنا وأخبرنا ...

    من عباداته ونوافله: كان يقسم ليله إلى ثلاثة أجزاء: ثلث ينام و ثلث يكتب وثلث يصلي. وكان يختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة وفي رمضان ستين ختمة. ومن نوافل الشافعي كثرة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يحضُّ على ذلك أصحابه وتلاميذه ومن يحضره. وكان أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام لا يدخل على مكة حتى يتصدَّق بما معه.

    مرضه ووفاته: كان الشافعي من الأئمة العاملين فرابط فترة في مصر في الثغور وهي المواضع التي يُخشى هجوم العدو منها على بلد مسلم. وفي آخر حياته ظهرت عليه علة البواسير و كان يظن أنَّ هذه العلة إنما نشأت بسبب استعماله اللُّبان - وكان يستعمله للحفظ - وبسبب هذه العلة ما انقطع عنه النزيف وربما ركب فسال الدم من عقبيه. وكان لا يبرح الطست تحته وفيه لبدة محشوة، وما لقي أحد من السقم ما لقي.

    والعجيب في الأمر بل يكاد يكون معجزاً أن تكون هذه حال الشافعي و يترك في مدة أربعة سنوات كلها سقم من اجتهاده الجديد ما يملأ آلاف الورق مع مواصلة الدروس والأبحاث والمناظرات والمطالعات في الليل والنهار، وكأنَّ هذا الدأب والنشاط في العلم هو دواؤه الوحيد الشافي !. وألحَّ على الشافعي المرض وأذابه السقم ووقف الموت ببابه ينتظر انتهاء الأجل. وفي هذه الحال، عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، دخل عليه تلميذه المزني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحتُ من الدنيا راحلاً وللإخوان مفارقاً و لكأس المنيَّة شارباً وعلى الله جلَّ ذكره وارداً ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنِّئها أو إلى النار فأعزِّيها ! ثم بكى وأنشأ يقول:

    ولما قسى قلبي و ضاقت مذاهـبــي جعلتُ الرَّجــا مني لعفوك سلَّـمـا

    تعاظـني ذنـبـي فـلمـا قـرنـتـه بعفوك ربي كــان عفوك أعظمــا

    وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تــزل تجود وتعـفـو مِـنَّـةً وتكرُّمـــا

    ودُفِنَ الشافعي رحمة الله تعالى عليه في القاهرة في أول شعبان، يوم الجمعة سنة 204 هجري. مات وكان له ولدان ذكران وبنت وكان قد تزوج من امرأة واحدة.

    من وصاياه و أقواله:

    - ما تُقُرِّب إلى الله عز وجل بعد أداء الفرائض بأفضل من طلب العلم.

    - طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.

    - من ضُحِكَ منه في مسألة لم ينسها أبداً.

    - من حضر مجلس العلم بلا محبرة و ورق كان كمن حضر الطاحون بغير قمح.

    - ما ناظرتُ أحداً قط إلا أحببتُ أن يوفَّق أو يسدد أو يُعان ويكون له رعاية من الله تعالى و حفظ، وما ناظرتُ أحداً إلا و لم أُبالِ بيَّنَ الله تعالى الحق على لساني أو لسانه.

    نحن كلما رأينا سيرة إمام قلنا والله هذا أحق بالاتِّباع وكلما سمعنا دليله قلنا والله هذا لهو الدليل المقنع! نعم كلهم أحق بالاتِّباع وكلهم عندهم أدلَّتهم المُقنِعة فلذلك ورحمة من الله تعالى بنا جاز لنا أن نتبع من شئنا منهم و الحمد لله رب العالمين.

    المصدر

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:36 pm

    ترجمة الإمام الشافعي رحمه الله

    أبو إسحاق الحويني

    للحفظ أو للاستماع اضغط هنا</A>

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:38 pm

    الإمام الشافعي الإمام الشافعي (خت ، 4) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، الإمام ، عالم العصر ، ناصر الحديث ، فقيه المِلَّة أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي ، الغزي المولد ، نسيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وابن عمه ، فالمطلب هو أخو هاشم والد عبد المطلب .
    اتفق مولد الإمام بغزة ، ومات أبوه إدريس شابا ، فنشأ محمد يتيما في حجر أمه ، فخافت عليه الضيعة ، فتحولت به إلى مَحْتِده وهو ابن عامين ، فنشأ بمكة ، وأقبل على الرمي ، حتى فاق فيه الأقران ، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة ، ثم أقبل على العربية والشعر ، فبرع في ذلك وتقدم . ثم حُبِّبَ إليه الفقه ، فساد أهل زمانه .
    وأخذ العلم ببلده عن : مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة ، وداود بن عبد الرحمن العطار ، وعمه محمد بن علي بن شافع ، فهو ابن عم العباس جد الشافعي ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي ، وسعيد بن سالم ، وفُضيل بن عِياض ، وعدة . ولم أَرَ له شيئا عن نافع بن عمر الجمحي ونحوه ، وكان معه بمكة .
    وارتحل -وهو ابن نيِّف وعشرين سنة وقد أفتى وتأهل للإمامة- إلى المدينة ، فحمل عن مالك بن أنس "الموطأ" عرضه من حفظه ، -وقيل : من حفظه لأكثره- وحمل عن : إبراهيم بن أبي يحيى فأكثر ، وعبد العزيز الدراوردي ، وعطاف بن خالد ، وإسماعيل بن جعفر ، وإبراهيم بن سعد وطبقتهم .
    وأخذ باليمن عن : مطرف بن مازن ، وهشام بن يوسف القاضي ، وطائفة ، وببغداد عن : محمد بن الحسن ، فقيه العراق ، ولازمه ، وحمل عنه وقر بعير ، وعن إسماعيل ابن علية ، وعبد الوهاب الثقفي وخلق .
    وصنف التصانيف ، ودوَّن العلم ، ورد على الأئمة متبعا الأثر ، وصنف في أصول الفقه وفروعه ، وبعد صيته ، وتكاثر عليه الطلبة .
    حدث عنه : الحميدي ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وأحمد بن حنبل ، وسليمان بن داود الهاشمي ، وأبو يعقوب يوسف البويطي ، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، وحرملة بن يحيى ، وموسى بن أبي الجارود المكي ، وعبد العزيز المكي صاحب "الحيدة" وحسين بن علي الكرابيسي ، وإبراهيم بن المنذر الحزامي ، والحسن بن محمد الزعفراني ، وأحمد بن محمد الأزرقي ، وأحمد بن سعيد الهمداني ، وأحمد بن أبي شريح الرازي ، وأحمد بن يحيى بن وزير المصري ، وأحمد بن عبد الرحمن الوهبي .
    وابن عمه إبراهيم بن محمد الشافعي ، وإسحاق بن راهويه ، وإسحاق بن بهلول ، وأبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي المتكلم ، والحارث بن سريج النقال ، وحامد بن يحيى البلخي ، وسليمان بن داود المهري ، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص ، وعلي بن معبد الرقي .
    وعلي بن سلمة اللبقي ، وعمرو بن سواد ، وأبو حنيفة قحزم بن عبد الله الأسواني ، ومحمد بن يحيى العدني ، ومسعود بن سهل المصري ، وهارون بن سعيد الأيلي ، وأحمد بن سنان القطان ، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح ، ويونس بن عبد الأعلى ، والربيع بن سليمان المرادي .
    والربيع بن سليمان الجيزي ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وبحر بن نصر الخولاني ، وخلق سواهم .
    وقد أفرد الدارقطني كتاب من له رواية عن الشافعي في جزئين ، وصنف الكبار في مناقب هذا الإمام قديما وحديثا ونال بعض الناس منه غضا ، فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة ، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى ، وقلَّ مَن برَّز في الإمامة ، ورد على من خالفه إلا وعُودِيَ ، نعوذ بالله من الهوى ، وهذه الأوراق تضيق عن مناقب هذا السيد .
    فأما جدهم السائب المطلبي ، فكان من كبراء من حضر بدرا مع الجاهلية ، فأسر يومئذ ، وكان يشبَّه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، ووالدته هي الشِّفاء بنت أرقم بن نضلة ، ونضلة هو أخو عبد المطلب جد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فيقال : إنه بعد أن فدى نفسه ، أسلم .
    وابنه شافع له رؤية ، وهو معدود في صغار الصحابة .
    وولده عثمان تابعي ، لا أعلم له كبير رواية .
    وكان أخوال الشافعي من الأزد .
    عن ابن عبد الحكم قال : لما حملت والدة الشافعي به ، رأت كأن المشتري خرج من فرجها ، حتى انقض بمصر ، ثم وقع في كل بلدة منه شظية ، فتأوله المعبرون أنها تلد عالما ، يخص علمه أهل مصر ، ثم يتفرق في البلدان .
    هذه رواية منقطعة .
    وعن أبي عبد الله الشافعي ، فيما نقله ابن أبي حاتم ، عن ابن أخي ابن وهب عنه ، قال : ولدت باليمن -يعني القبيلة ، فإن أمه أزدية- قال : فخافت أمي عليّ الضيعة ، وقالت : الْحَقْ بأهلك ، فتكون مثلهم ، فإني أخاف عليك أن تغلب على نسبك ، فجهزتني إلى مكة ، فقدمتها يومئذ وأنا ابن عشر سنين ، فصرت إلى نسيب لي ، وجعلت أطلب العلم ، فيقول لي : لا تشتغل بهذا ، وأقبل على ما ينفعك ، فجعلت لذتي في العلم .
    قال ابن أبي حاتم : سمعت عمرو بن سواد : قال لي الشافعي : ولدت بعسقلان ، فلما أتى عليَّ سنتان ، حملتني أمي إلى مكة .
    وقال ابن عبد الحكم : قال لي الشافعي : ولدت بغزة سنة خمسين ومائة وحُملت إلى مكة ابن سنتين .
    قال المزني : ما رأيت أحسن وجها من الشافعي -رحمه الله- وكان ربما قبض على لحيته فلا يفضل عن قبضته .
    قال الربيع المؤذن : سمعت الشافعي يقول : كنت ألزم الرمي حتى كان الطبيب يقول لي : أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر ، قال : وكنت أصيب من العشرة تسعة .
    قال الحميدي : سمعت الشافعي يقول : كنت يتيما في حجر أمي ، ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم ، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب ، وأخفف عنه .
    وعن الشافعي قال : كنت أكتب في الأكتاف والعظام ، وكنت أذهب إلى الديوان ، فأستوهب الظهور ، فأكتب فيها .
    قال عمرو بن سواد : قال لي الشافعي : كانت نهمتي في الرمي وطلب العلم ، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة ، وسكت عن العلم ، فقلت : أنت والله في العلم أكبر منك في الرَّمْي .
    قال أحمد بن إبراهيم الطائي الأقطع : حدثنا المزني ، سمع الشافعي يقول : حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين ، وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر .
    الأقطع مجهول .
    وفي "مناقب الشافعي" للآبري سمعت الزبير بن عبد الواحد الهمذاني ، أخبرنا علي بن محمد بن عيسى ، سمعت الربيع بن سليمان يقول : ولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة -رحمهما الله تعالى .
    وعن الشافعي قال : أتيت مالكا وأنا ابن ثلاث عشرة سنة -كذا قال ، والظاهر أنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة- قال : فأتيت ابن عم لي والي المدينة ، فكلم مالكا ، فقال : اطلب من يقرأ لك . قلت : أنا أقرأ ، فقرأت عليه ، فكان ربما قال لي لشيء قد مر : أعده ، فأعيده حفظا ، فكأنه أعجبه ، ثم سألته عن مسألة ، فأجابني ، ثم أخرى ، فقال : أنت تحب أن تكون قاضيا .
    ويروى عن الشافعي : أقمت في بطون العرب عشرين سنة ، آخذ أشعارها ولغاتها ، وحفظت القرآن ، فما علمت أنه مر بي حرف إلا وقد علمت المعنى فيه والمراد ، ما خلا حرفين ، أحدهما : دَسَّاهَا .
    إسنادها فيه مجهول .
    قال ابن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قرأت القرآن على إسماعيل بن قسطنطين ، وقال : قرأت على شبل ، وأخبر شبل أنه قرأ على عبد الله بن كثير ، وقرأ على مجاهد ، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس . قال الشافعي : وكان إسماعيل يقول : القرآن اسم ليس بمهموز ، ولم يؤخذ من : "قرأتُ" ولو أُخذ من "قرأتُ" كان كل ما قرئ قرآنًا ، ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل .
    الأصم وابن أبي حاتم : حدثنا الربيع : سمعت الشافعي يقول : قدمت على مالك ، وقد حفظت "الموطأ" ظاهرا ، فقلت : أريد سماعه ، قال : اطلب من يقرأ لك . فقلت : لا عليك أن تسمع قراءتي ، فإن سهل عليك قرأت لنفسي .
    أحمد بن الحسن الحماني : حدثنا أبو عبيد ، قال : رأيت الشافعي عند محمد بن الحسن ، وقد دفع إليه خمسين دينارا ، وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهما ، وقال : إن اشتهيت العلم ، فالزم . قال أبو عبيد : فسمعت الشافعي يقول : كتبتُ عن محمد وقر بعير ، ولما أعطاه محمد ، قال له : لا تحتشم . قال : لو كنت عندي ممن أحشمك ما قبلت بِرَّك .
    ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول : حملت عن محمد بن الحسن حمل بختي ليس عليه إلا سماعي .
    قال أحمد بن أبي سريج : سمعت الشافعي يقول : قد أنفقت على كتب محمد ستين دينارا ، ثم تدبرتها ، فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثا -يعني : رد عليه .
    قال هارون بن سعيد : قال لي الشافعي : أخذت اللبان سنة للحفظ ، فأعقبني صب الدم سنة .
    قال أبو عبيد : ما رأيت أحدا أعقل من الشافعي ، وكذا قال يونس بن عبد الأعلى ، حتى إنه قال : لو جمعت أمة لوسعهم عقله .
    قلت : هذا على سبيل المبالغة ، فإن الكامل العقل لو نقص من عقله نحو الربع ، لبَانَ عليه نقص ما ، ولبقي له نظراء ، فلو ذهب نصف ذلك العقل منه ، لظهر عليه النقص ، فكيف به لو ذهب ثلثا عقله ! فلو أنك أخذت عقول ثلاثة أنفس مثلا ، وصيرتها عقل واحد ، لجاء منه كامل العقل وزيادة .
    جماعة : حدثنا الربيع ، سمعت الحميدي ، سمعت مسلم بن خالد الزنجي يقول للشافعي : أفْتِ يا أبا عبد الله ، فقد والله آن لك أن تفتي - وهو ابن خمس عشرة سنة . وقد رواها محمد بن بشر الزنبري ، وأبو نعيم الأسترآباذي ، عن الربيع ، عن الحميدي قال : قال الزنجى . وهذا أشبه ، فإن الحميدي يصغر عن السماع من مسلم ، وما رأينا له في "مسنده" عنه رواية .
    جماعة : حدثنا الربيع ، قال الشافعي : لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب إلا الشِّرك خير من أن يلقاه بشيء من الأهواء .
    الزبير الأسترآباذي : حدثني محمد بن يحيى بن آدم بمصر ، حدثنا ابن عبد الحكم ، سمعت الشافعي يقول : لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء ، لفروا منه كما يفرون من الأسد .
    قال يونس الصدفي : ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوما في مسألة ، ثم افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثم قال : يا أبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة .
    قلت : هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام ، وفقه نفسه ، فما زال النظراء يختلفون .
    أبو جعفر الترمذي : حدثني أبو الفضل الواشجردي سمعت أبا عبد الله الصاغاني قال : سألت يحيى بن أكثم عن أبي عبيد والشافعي ، أيهما أعلم ؟ قال : أبو عبيد كان يأتينا هاهنا كثيرا ، وكان رجلا إذا ساعدته الكتب ، كان حسن التصنيف من الكتب ، وكان يرتبها بحسن ألفاظه لاقتداره على العربية ، وأما الشافعي ، فقد كنا عند محمد بن الحسن كثيرا في المناظرة ، وكان رجلا قرشي العقل والفهم والذهن ، صافي العقل والفهم والدماغ ، سريع الإصابة -أو كلمة نحوها- ولو كان أكثر سماعا للحديث ، لاستغنى أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- به عن غيره من الفقهاء .
    قال معمر بن شبيب : سمعت المأمون يقول : قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء ، فوجدته كاملا .
    قال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي : سمعت أبي وعمي يقولان : كان سفيان ابن عُيَيْنَة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا ، التفت إلى الشافعي ، فيقول : سلوا هذا .
    وقال تميم بن عبد الله : سمعت سويد بن سعيد يقول : كنت عند سفيان ، فجاء الشافعي ، فسلم ، وجلس ، فروى ابن عيينة حديثا رقيقا ، فغشي على الشافعي ، فقيل : يا أبا محمد ، مات محمد بن إدريس ،
    فقال ابن عيينة : إن كان مات ، فقد مات أفضل أهل زمانه .
    الحاكم : سمعت أبا سعيد بن أبي عثمان ، سمعت الحسن ابن صاحب الشاشي ، سمعت الربيع ، سمعت الشافعي وسئل عن القرآن ؟ فقال : أف أف ، ألقرآن كلام الله ، من قال : مخلوق ، فقد كفر .
    هذا إسناد صحيح .
    أبو داود وأبو حاتم ، عن أبي ثور سمعت الشافعي يقول : ما ارتدى أحد بالكلام ، فأفلح .
    محمد بن يحيى بن آدم : حدثنا ابن عبد الحكم ، سمعت الشافعي يقول : لو علم الناس ما في الكلام والأهواء ، لفروا منه كما يفرون من الأسد .
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:38 pm

    الزبير بن عبد الواحد : أخبرني علي بن محمد بمصر ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : كان الشافعي بعد أن ناظر حفصا الفرد يكره الكلام ، وكان يقول : والله لأن يفتي العالم ، فيقال : أخطأ العالم خير له من أن يتكلم فيقال : زنديق ، وما شيء أبغض إليَّ من الكلام وأهله .
    قلت : هذا دال على أن مذهب أبي عبد الله أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع .
    الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول : من حلف باسم من أسماء الله فحنث ، فعليه الكفارة ، لأن اسم الله غير مخلوق ، ومن حلف بالكعبة ، وبالصفا والمروة ، فليس عليه كفارة ، لأنه مخلوق ، وذاك غير مخلوق .
    وقال أبو حاتم : حدثنا حرملة ، سمعت الشافعي يقول : الحلفاء خمسة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعمر بن عبد العزيز .
    قال الحارث بن سريج : سمعت يحيى القطان يقول : أنا أدعو الله للشافعي ، أخصه به .
    وقال أبو بكر بن خلاد : أنا أدعو الله في دبر صلاتي للشافعي .
    الحسين بن علي الكرابيسي قال : قال الشافعي : كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجد ، وما سواه ، فهو هذيان .
    ابن خزيمة ، وجماعة قالوا : حدثنا يونس بن عبد الأعلى : قال الشافعي : لا يقال : لم للأصل ، ولا كيف .
    ‎وعن يونس ، سمع الشافعي يقول : الأصل : القرآن ، والسنة ، وقياس عليهما ، والإجماع أكبر من الحديث المنفرد .
    ابن أبي حاتم : سمعت يونس يقول : قال الشافعي : الأصل قرآن أو سنة ، فإن لم يكن فقياس عليهما ، وإذا صح الحديث فهو سنة ، والإجماع أكبر من الحديث المنفرد ، والحديث على ظاهره ، وإذا احتمل الحديث معاني فما أشبه ظاهره ، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيَّب وكلا رأيته استعمل الحديث المنفرد ، استعمل أهل المدينة في التفليس قوله -عليه السلام- : إذا أدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بعيْنِه ، فهُوَ أحقُّ به واستعمل أهل العراق حديث العمرى .
    ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع ، سمعت الشافعي يقول : قراءة الحديث خير من صلاة التطوع ، وقال : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
    ابن أبي حاتم : حدثنا يونس ، قلت للشافعي : صاحبنا الليث يقول : لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته . قال : قصر ، لو رأيته يمشي في الهواء لما قبلته .
    قال الربيع : سمعت الشافعي قال لبعض أصحاب الحديث : أنتم الصيادلة ، ونحن الأطباء .
    زكريا الساجي : حدثني أحمد بن مردك الرازي ، سمعت عبد الله بن صالح صاحب الليث يقول : كنا عند الشافعي في مجلسه ، فجعل يتكلم في تثبيت خبر الواحد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فكتبناه ، وذهبنا به إلى إبراهيم ابن علية ، وكان من غلمان أبي بكر الأصم وكان في مجلسه عند باب الصوفي فلما قرأنا عليه جعل يحتج بإبطاله ، فكتبنا ما قال ، وذهبنا به إلى الشافعي ، فنقضه ، وتكلم بإبطاله ، ثم كتبناه ، وجئنا به إلى ابن علية ، فنقضه ، ثم جئنا به إلى الشافعي ، فقال : إن ابن علية ضال ، قد جلس بباب الضوال يضل الناس .
    قلت : كان إبراهيم من كبار الجهمية ، وأبوه إسماعيل شيخ المحدثين إمام .
    المزني : سمعت الشافعي يقول : من تعلم القرآن عظمت قيمته ، ومن تكلم في الفقه نما قدره ، ومن كتب الحديث قويت حجته ، ومن نظر في اللغة رق طبعه ، ومن نظر في الحساب جزل رأيه ، ومن لم يصن نفسه ، لم ينفعه علمه .
    إبراهيم بن متويه الأصبهاني : سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول : قال الشافعي : كل حديث جاء من العراق ، وليس له أصل في الحجاز ، فلا تقبله ، وإن كان صحيحا ، ما أريد إلا نصيحتك .
    قلت : ثم إن الشافعي رجع عن هذا ، وصحح ما ثبت إسناده لهم .
    ويروى عنه : إذا لم يوجد للحديث أصل في الحجاز ضعف ، أو قال : ذهب نخاعه .
    أخبرنا إبراهيم بن علي العابد في كتابه ، أخبرنا زكريا العلبي وجماعة ، قالوا : أخبرنا عبد الأول بن عيسى ، أخبرنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي ، قال : أفادني يعقوب ، وكتبته من خطه ، أخبرنا أبو علي الخالدي ، سمعت محمد بن الحسين الزعفراني ، سمعت عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي ، سمعت المزني يقول : كنت أنظر في الكلام قبل أن يقدم الشافعي ، فلما قدم أتيته ، فسألته عن مسألة من الكلام ، فقال لي : تدري أين أنت ؟ قلت : نعم ، في مسجد الفسطاط . قال لي : أنت في تاران -قال عثمان : وتاران موضع في بحر القلزم لا تكاد تسلم منه سفينة- ثم ألقى عليَّ مسألة في الفقه ، فأجبت ، فأدخل شيئا أفسد جوابي ، فأجبت بغير ذلك ، فأدخل شيئا أفسد جوابي ، فجعلت كلما أجبت بشيء ، أفسده ، ثم قال لي : هذا الفقه الذي فيه الكتاب والسنة وأقاويل الناس ، يدخله مثل هذا ، فكيف الكلام في رب العالمين ، الذي فيه الزلل كثير ؟ فتركت الكلام ، وأقبلت على الفقه .
    عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت محمد بن داود يقول : لم يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهواء ، ولا نُسب إليه ، ولا عُرف به ، مع بغضه لأهل الكلام والبدع .
    وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، قال : كان الشافعي ، إذا ثبت عنده الخبر ، قلده ، وخير خصلة كانت فيه لم يكن يشتهي الكلام ، إنما همته الفقه .
    وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت عبد الرحمن بن محمد بن حامد السلمي ، سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر يقول : جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام ، فقال : إني أكره هذا ، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي ، لقد سمعت الشافعي يقول : سئل مالك عن الكلام والتوحيد ، فقال : مُحال أن نظن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه علَّم أمَّته الاستنجاء ، ولم يعلمهم التوحيد ، والتوحيد ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقُولُوا لا إلَه إلاَّ اللهَ فما عُصِمَ به الدَّمُ والمَالُ حقيقةُ التوحيد .
    زكريا الساجي : سمعت محمد بن إسماعيل ، سمعت حسين بن علي الكرابيسي يقول : شهدت الشافعي ، ودخل عليه بشر المريسي ، فقال لبشر : أخبرني عما تدعو إليه ، أكِتَابٌ ناطِقٌ ، وفرْض مفتَرِض ، وسُنَّةٌ قائمة ، ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال ؟ فقال بشر : لا ، إلا أنه لا يسعنا خلافه ، فقال الشافعي : أقررت بنفسك على الخطأ ، فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار ، يواليك الناس وتترك هذا ؟ قال : لنا نهمة فيه . فلما خرج بشر ، قال الشافعي : لا يفلح .
    أبو ثور والربيع : سمعا الشافعي يقول : ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح .
    قال الحسين بن إسماعيل المحاملي : قال المزني : سألت الشافعي عن مسألة من الكلام ، فقال : سلني عن شيء ، إذا أخطأت فيه ، قلت : أخطأتُ ، ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت فيه ، قلت : كفرت .
    زكريا الساجي : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول : قال لي الشافعي : يا محمد ، إن سألك رجل عن شيء من الكلام ، فلا تجبه ، فإنه إن سألك عن دِيَة ، فقلت درهما ، أو دانقا ، قال لك : أخطأت ، وإن سألك عن شيء من الكلام ، فزللت ، قال لك : كفرت .
    قال الربيع : سمعت الشافعي يقول : المِرَاءُ في الدِّينِ يُقَسِّي القلب ، ويورث الضغائن .
    وقال صالح جزرة : سمعت الربيع يقول : قال الشافعي : يا ربيع ، اقْبَلْ منِّي ثلاثةً : لا تَخُوضَنَّ في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فإن خصمك النبي -صلى الله عليه وسلم- غدا ، ولا تشتغل بالكلام ، فإني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل . وزاد المزني : ولا تشتغل بالنجوم .
    وعن حسين الكرابيسي قال : سئل الشافعي عن شيء من الكلام ، فغضب ، وقال : سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله .
    الأصم : سمعت الربيع ، سمعت الشافعي يقول : وددت أن الناس تعلموا هذا العلم -يعني كتبه- على أن لا ينسب إليَّ منه شيء .
    وعن الشافعي : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صُبَيْغ .
    الزعفراني وغيره : سمعنا الشافعي يقول : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ، ويحملوا على الإبل ، ويطاف بهم في العشائر ، يُنادى عليهم : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ، وأقبل على الكلام .
    وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي : قال الشافعي : مذهبي في أهل الكلام تقنيع رء وسهم بالسياط ، وتشريدهم في البلاد .
    قلت : لعل هذا متواتر عن الإمام .
    الربيع : سمعت الشافعي يقول : ما ناظَرْتُ أحدًا على الغَلَبَة إلا على الحق عندي .
    والزعفراني عنه : ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة .
    زكريا الساجي : حدثنا أحمد بن العباس النسائي ، سمعت الزعفراني ، سمعت الشافعي يقول : ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرَّةً ، وأنا أستغفر الله من ذلك .
    سعيد بن أحمد اللخمي : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، سمعت الشافعي يقول : إذا سمعت الرجل يقول : الاسم غير المُسَمَّى ، والشيء غير المُشِيء ، فاشهد عليه بالزندقة .
    سعيد مصري لا أعرفه .
    ويروى عن الربيع : سمعت الشافعي يقول في كتاب "الوصايا" : لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر ، وكان فيها كتب الكلام ، لم تدخل في الوصية ، لأنه ليس من العلم .
    وعن أبي ثور : قلت للشافعي : ضع في الإرجاء كتابا ، فقال : دع هذا . فكأنه ذم الكلام .
    محمد بن إسحاق بن خزيمة : سمعت الربيع يقول : لما كلم الشافعي حفص الفرد ، فقال حفص : القرآن مخلوق . فقال له الشافعي : كفرتَ بالله العظيم .
    قال المزني : كان الشافعي ينهى عن الخوض في الكلام . أبو حاتم الرازي : حدثنا يونس ، سمعت الشافعي يقول : قالت لي أم المريسي : كلم بشرا أن يكف عن الكلام ، فكلمته ، فدعاني إلى الكلام .
    الساجي : حدثنا إبراهيم بن زياد الأبلي ، سمعت البويطي يقول : سألت الشافعي : أصلي خلف الرافضي ؟ قال : لا تصل خلف الرافضي ، ولا القَدَرِيِّ ، ولا المُرْجِئ . قلت : صفهم لنا . قال : من قال : الإيمان قَوْلٌ ، فهو مُرْجِئ ، ومن قال : إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين ، فهو رافضي ، ومن جعل المشيئة إلى نفسه ، فهو قَدَرِيُّ .
    ابن أبي حاتم : سمعت الربيع ، قال لي الشافعي : لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابا لفعلت ، ولكن ليس الكلام من شأني ، ولا أحب أن ينسب إلي منه شيء .
    قلت : هذا النفس الزكي متواتر عن الشافعي .
    قال علي بن محمد بن أبان القاضي : حدثنا أبو يحيى زكريا الساجي ، حدثنا المزني ، قال : قلت : إن كان أحد يخرج ما في ضميري ، وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي ، فصرت إليه ، وهو في مسجد مصر ، فلما جثوت بين يديه ، قلت : هجس في ضميري مسألة في التوحيد ، فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك ، فما الذي عندك ؟ فغضب ، ثم قال : أتدري أين أنت ؟ قلت : نعم ، قال : هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون . أبلغك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بالسؤال عن ذلك ؟ قلت : لا ، قال : هل تكلم فيه الصحابة ؟ قلت : لا ، قال : تدري كم نجما في السماء ؟ قلت : لا ، قال : فكوكب منها؛ تعرف جنسه ، طلوعه ، أفوله ، مم خلق ؟ قلت : لا ، قال : فشيءٌ تراه بعينِك من الخلق لستَ تعرفه ، تتكلم في عِلْمِ خالقه ؟ ! ثم سألني عن مسألة في الوضوء ، فأخطأت فيها ، ففرعها على أربعة أوجه ، فلم أصب في شيء منه ، فقال : شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات ، تدع علمه ، وتتكلف علم الخالق ، إذا هجس في ضميرك ذلك ، فارجع إلى الله ، وإلى قوله تعالى : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآية فاستَدِلّ بالمخلوق على الخالق ، ولا تتكلَّفْ علم ما لم يَبْلُغْهُ عقلُك . قال : فتبت .
    قال ابن أبي حاتم : في كتابي عن الربيع بن سليمان ، قال : حضرت الشافعي ، أو حدثني أبو شعيب ، إلاّ أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ، ويوسف بن عمرو ، وحفص الفرد ، وكان الشافعي يسميه : حفصا المنفرد ، فسأل حفص عبد الله : ما تقول في القرآن ؟ فأبى أن يجيبه ، فسأل يوسف ، فلم يجبه ، وأشار إلى الشافعي ، فسأل الشافعي ، واحتج عليه ، فطالت فيه المناظرة ، فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وبكفر حفص .
    قال الربيع : فلقيت حفصا ، فقال : أراد الشافعي قتلي .
    الربيع : سمعت الشافعي يقول : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص .
    وسمعته يقول : تجاوز الله عما في القلوب ، وكتب على الناس الأفعال والأقاويل .
    وقال المزني : قال الشافعي : يقال لمن ترك الصلاة لا يعملها : فإن صلَّيْتَ وإلاّ اسْتَتَبْنَاكَ ، فإن تُبْتَ ، وإلا قتلناك ، كما تكفر ، فنقول : إن آمنت وإلا قتلناك .
    وعن الشافعي قال : ما كابرني أحد على الحق ودافع ، إلا سقط من عيني ، ولا قبله إلا هبته ، واعتقدت مودته .
    عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : قال الشافعي : أنتم أعلم بالأخبار الصِّحاح منا ، فإذا كان خبر صحيح ، فأعلمني حتى أذهب إليه ، كوفيا كان ، أو بصريا ، أو شاميا .
    وقال حرملة : قال الشافعي : كل ما قلته فكان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلاف قولي مما صح ، فهو أولى ، ولا تقلدوني .
    الربيع : سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقولوا بها ، ودعوا ما قلته .
    وسمعته يقول -وقد قال له رجل : تأخذ بهذا الحديث يا أبا عبد الله ؟ فقال : متى رويت عن رسول الله حديثا صحيحا ولم آخذ به ، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب .
    وقال الحميدي : روى الشافعي يوما حديثا ، فقلت : أتأخذ به ؟ فقال : رأيتَنِي خرجتُ مِن كَنِيسة ، أو عليَّ زنار ، حتى إذا سمعتُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا لا أقول به ؟ !
    قال الربيع : وسمعته يقول : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إذا رويت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا فلم أقل به .
    وقال أبو ثور : سمعته يقول : كل حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو قولي ، وإن لم تسمعوه منِّي .
    ويروى أنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي وإذا صح الحديث ، فاضربوا بقولي الحائط .
    محمد بن بشر العكري وغيره : حدثنا الربيع بن سليمان قال : كان الشافعي قد جزَّء الليل ، فثلثه الأول يكتب ، والثاني يصلي ، والثالث ينام .
    قلت : أفعاله الثلاثة عبادة بالنية .
    قال زكريا الساجي : حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثني حسين الكرابيسي : بت مع الشافعي ليلة ، فكان يصلي نحو ثلث الليل ، فما رأيته يزيد على خمسين آية ، فإذا أكثر ، فمائة آية ، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله ، ولا بآية عذاب إلا تعَوَّذ ، وكأنما جمع له الرجاء والرهبة جميعا .
    قال الربيع بن سليمان من طريقين عنه ، بل أكثر : كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة .
    ورواها ابن أبي حاتم عنه ، فزاد : كل ذلك في صلاة .
    أبو عوانة الإسفراييني : حدثنا الربيع ، سمعت الشافعي يقول : ما شبِعْتُ منذ ست عشرة سنة إلا مرَّة ، فأدخلت يدي فتَقَيَّأْتُهَا .
    رواها ابن أبي حاتم عن الربيع ، وزاد : لأن الشِّبَع يثقل البدن ، ويقسي القلب ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف عن العبادة .
    الزبير بن عبد الواحد : أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم بن مطر ، سمعت الربيع : قال لي الشافعي : عليك بالزهد ، فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناهد .
    قال الزبير : وحدثني إبراهيم بن الحسن الصوفي ، سمعت حرملة ، سمعت الشافعي يقول : ما حلفت بالله صادقا ولا كاذبا .
    قال أبو داود : حدثني أبو ثور قال : قل ما كان يمسك الشافعي الشيء من سماحته .
    وقال عمرو بن سواد : كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام ، فقال لي الشافعي : أفلست من دهري ثلاث إفلاسات ، فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي بنتي وزوجتي ، ولم أرهن قط .
    قال الربيع : أخذ رجل بركاب الشافعي ، فقال لي : أعطه أربعة دنانير ، واعذرني عنده .
    سعيد بن أحمد اللخمي المصري : سمعت المزني يقول : كنت مع الشافعي يوما ، فخرجنا الأكوام فمر بهدف ، فإذا برجل يرمي بقوس عربية ، فوقف عليه الشافعي ينظر ، وكان حسن الرمي ، فأصاب بأسهم ، فقال الشافعي : أحسنت ، وبرك عليه ، ثم قال : أعطه ثلاثة دنانير ، واعذرني عنده .
    وقال الربيع : كان الشافعي مارا بالحذائين ، فسقط سوطه ، فوثب غلام ، ومسحه بكمه ، وناوله ، فأعطاه سبعة دنانير .
    قال الربيع : تزوجت ، فسألني الشافعي : كم أصدقتها ؟ قلت : ثلاثين دينارا ، عجلت منها ستة . فأعطاني أربعة وعشرين دينارا .
    أبو جعفر الترمذي : سمعت الربيع قال : كان بالشافعي هذه البواسير ، وكانت له لبدة محشوة بحلبة يجلس عليها ، فإذا ركب ، أخذت تلك اللبدة ، ومشيت خلفه ، فناوله إنسان رقعة يقول فيها : إنني بقال ، رأس مالي درهم ، وقد تزوجت ، فأعِنِّي ، فقال يا ربيع ، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده . فقلت : أصلحك الله ، إن هذا يكفيه عشرة دراهم ، فقال : ويحك ! وما يصنع بثلاثين ؟ أفي كذا ، أم في كذا -يعد ما يصنع في جهازه- أعطه .
    ابن أبي حاتم : أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن روح ، حدثنا الزبير بن سليمان القرشي ، عن الشافعي ، قال : خرج هرثمة ، فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون ، وقال : قد أمر لك بخمسة آلاف دينار . قال : فحمل إليه المال ، فدعا بحجام ، فأخذ شعره ، فأعطاه خمسين دينارا ، ثم أخذ رِقَاعًا ، فصَرَّ صُرَرًا ، وفرَّقها في القرشِيِّين الذين هم بالحضرة ومن بمكة ، حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار .
    محمد بن بشر العكري : سمعت الربيع قال : أخبرني الحميدي قال : قدم الشافعي صنعاء ، فضربت له خيمة ، ومعه عشرة آلاف دينار ، فجاء قوم ، فسألوه ، فما قلعت الخيمة ومعه منها شيء . رواها الأصم وجماعة عن الربيع .
    وعن إبراهيم بن برانة قال : كان الشافعي جسيما طوالا نبيلا .
    قال ابن عبد الحكم : كان الشافعي أسخى الناس بما يجد ، وكان يمر بنا ، فإن وجدني ، وإلا قال : قولوا لمحمد إذا جاء يأتي المنزل ، فإني لا أتغدى حتى يجيء .
    داود بن علي الأصبهاني : حدثنا أبو ثور قال : كان الشافعي من أسمح الناس ، يشتري الجارية الصنَّاع التي تطبخ وتعمل الحلواء ، ويشترط عليها هو أن لا يقربها ، لأنه كان عليلا لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور به إذ ذاك ، وكان يقول لنا : اشتهوا ما أردتم .
    قال أبو علي بن حمكان حدثني أبو إسحاق المزكي ، حدثنا ابن جذيمة ، حدثنا الربيع ، قال : أصحاب مالك كانوا يفخرون ، فيقولون : إنه يحضر مجلس مالك نحو من ستين معمما . والله لقد عددت في مجلس الشافعي ثلاث مائة معمَّم سوى من شذ عني .
    قال الربيع : اشتريت للشافعي طيبا بدينار ، فقال : ممن اشتريت ؟ قلت : من ذاك الأشقر الأزرق . قال : أشقر أزرق ! رده ، رده ، ما جاءني خير قط من أشقر .
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:40 pm

    أبو حاتم : حدثنا حرملة ، حدثنا الشافعي ، يقول : احذر الأعور ، والأعرج ، والأحول ، والأشقر ، والكُوسج ، وكل ناقص الخلق ، فإنه صاحب التواء ، ومعاملته عسرة .
    العكري : سمعت الربيع يقول : كنت أنا والمزني والبويطي عند الشافعي ، فنظر إلينا ، فقال لي : أنت تموت في الحديث ، وقال للمزني : هذا لو ناظره الشيطان ، قطعه وجدله ، وقال للبويطي : أنت تموت في الحديد قال : فدخلت على البويطي أيام المحنة ، فرأيته مقيدا مغلولا . وجاءه رجل مرة ، فسأله -يعني الشافعي- عن مسألة ، فقال : أنت نساج ؟ قال : عندي أجراء .
    أحمد بن سلمة النيسابوري : قال أبو بكر محمد بن إدريس ورَّاق الحميدي : سمعت الحميدي يقول : قال الشافعي : خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها .
    وعن الربيع قال : مر أخي ، فرآه الشافعي ، فقال : هذا أخوك ؟ ولم يكن رآه . قلت : نعم .
    أبو علي بن حمكان : حدثنا أحمد بن محمد بن هارون الهمذاني العدل ، حدثنا أبو مسلم الكجي ، حدثنا الأصمعي ، عن الشافعي : أصل العلم التثبيت ، وثمرته السلامة ، وأصل الورع القناعة ، وثمرته الراحة ، وأصل الصبر الحزم ، وثمرته الظفر ، وأصل العمل التوفيق ، وثمرته النجح ، وغاية كل أمر الصدق .
    بلغنا عن الكديمي ، حدثنا الأصمعي ، قال : سمعت الشافعي يقول : العالم يسأل عما يعلم وعما لا يعلم ، فيثبت ما يعلم ، ويتعلم ما لا يعلم ، والجاهل يغضب من التعلم ، ويأنف من التعليم .
    أبو حاتم : حدثنا محمد بن يحيى بن حسان ، سمعت الشافعي يقول : العلم علمان : علم الدين وهو الفقه ، وعلم الدنيا وهو الطب ، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث .
    وعن الربيع قال : قلت للشافعي : من أقدر الفقهاء على المناظرة ؟ قال : من عوَّد لسانه الركض في ميدان الألفاظ لم يتلعثم إذا رَمَقَتْهُ العيون .
    في إسنادها أبو بكر النقاش وهو واه .
    وعن الشافعي : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد .
    قال يونس الصدفي : قال لي الشافعي : ليس إلى السلامة من الناس سبيل ، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه .
    وعن الشافعي قال : ما رفعت من أحد فوق منزلته إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه .
    وعنه : ضياع العالم أن يكون بلا إخوان ، وضياع الجاهل قلة عقله ، وأضيع منهما من واخى من لا عقل له .
    وعنه : إذا خفت على عملك العجب ، فاذكر رِضَى مَنْ تَطْلُب ، وفي أي نعيم ترغب ، ومن أي عقاب تَرْهَب . فمن فكر في ذلك صَغُرَ عنده عملُه .
    آلات الرياسة خمس : صدق اللهجة ، وكتمان السِّر ، والوفاء بالعهد ، وابتداء النصيحة ، وأداء الأمانة .
    محمد بن فهد المصري : حدثنا الربيع ، سمعت الشافعي يقول : من استُغْضِبَ فلم يغضب ، فهو حِمَارٌ ، ومن استُرْضَي فلمْ يَرْضَ ، فهو شيْطَانٌ .
    أبو سعيد بن يونس : حدثنا الحسين بن محمد بن الضحاك الفارسي ، سمعت المزني ، سمعت الشافعي قال : أيما أهل بيت لم يخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم ، ورجالهم إلى نساء غيرهم إلا وكان في أولادهم حُمق .
    زكريا بن أحمد البلخي القاضي : سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي ، يقول : رأيت في المنام النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجده بالمدينة فكأني جئت ، فسلَّمْتُ عليه ، وقلت : يا رسول الله ، أكتب رأي مالك ؟ قال : لا . قلت : أكتب رأي أبي حنيفة ؟ قال : لا . قلت : أكتب رأي الشافعي ؟ فقال بيده هكذا ، كأنه انتهرني ، وقال : تقول : رأي الشافعي ! إنه ليس برأيٍ ، ولكنَّه ردٌّ على من خالف سنتي . رواها غير واحد عن أبي جعفر .
    عبد الرحمن بن أبي حاتم : حدثني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكة فيما كتب إليَّ ، حدثنا محمد بن رشيق ، حدثنا محمد بن حسن البلخي ، قال : قلت في المنام : يا رسول الله ، ما تقول في قول أبي حنيفة ، والشافعي ، ومالك ؟ فقال : لا قول إلا قولي ، لكن قول الشافعي ضد قول أهل البدع .
    وروى من وجهين عن أحمد بن الحسن الترمذي الحافظ ، قال : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام ، فسألته عن الاختلاف ، فقال : أما الشافعي ، فمني وإلي . وفي الرواية الأخرى : أحيى سنتي .
    روى جعفر ابن أخي أبي ثور الكلبي ، عن عمه ، قال : كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ، ويجمع قبول الأخبار ، وحجة الإجماع ، وبيان الناسخ والمنسوخ ، فوضع له كتاب "الرسالة" .
    وقال أبو ثور : قال لي عبد الرحمن بن مهدي : ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها .
    وقال الزعفراني : حج بشر المريسي ، فلما قدم ، قال : رأيت بالحجاز رجلا ، ما رأيت مثله سائلا ومجيبا -يعني الشافعي- قال : فقدم علينا ، فاجتمع إليه الناس ، وخفوا عن بشر ، فجئت إلى بشر ، فقلت : هذا الشافعي الذي كنت تزعم قد قدم ، قال : إنه قد تغير عما كان عليه ، قال : فما كان مثل بشر إلا مثل اليهود في شأن عبد الله بن سلام .
    قال الميموني : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ستة أدعو لهم سحرا ، أحدهم الشافعي .
    وقال محمد بن هارون الزنجاني : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قلت لأبي : أي رجل كان الشافعي ، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له ؟ قال : يا بني ، كان كالشمس للدنيا ، وكالعافية للناس ، فهل لهذين من خلف أو منهما عوض ؟ الزنجاني لا أعرفه .
    قال أبو داود : ما رأيت أبا عبد الله يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي .
    وقال قتيبة بن سعيد : الشافعي إمام .
    قلت : كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وسعة علمه يتناول ما يقوي حافظته .
    قال هارون بن سعيد الأيلي : قال لنا الشافعي : أخذت اللِّبان سنة للحفظ ، فأعقبني رمي الدم سنة .
    قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني : حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل النابلسي الشهيد ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، سمعت تميم بن عبد الله الرازي ، سمعت أبا زُرْعَة ، سمعت قتيبة بن سعيد يقول : مات الثوري ومات الورع ، ومات الشافعي وماتت السُّنَن ، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البِدَع .
    أبو ثور الكلبي : ما رأيت مثل الشافعي ، ولا رأى هو مثل نفسه .
    وقال أيوب بن سويد : ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي .
    قال أحمد بن حنبل من طرق عنه : إن الله يُقَيِّضُ للنَّاسِ في رأس كل مائة من يعلمهم السُّنَن ، وينفي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكذب ، قال : فنظرنا ، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز ، وفي رأس المائتين الشافعي .
    قال حرملة : سمعت الشافعي يقول : سُمِّيتُ ببغداد ناصر الحديث .
    الفضل بن زياد : سمعت أحمد يقول : ما أحد مسّ مَحْبَرة ولا قلما ، إلا وللشافعي في عنقه منة .
    وعن أحمد : كان الشافعي من أفصح الناس .
    قال إبراهيم الحربي : سألت أبا عبد الله عن الشافعي ، فقال : حديث صحيح ، ورأي صحيح .
    قال الحسن الزعفراني : ما قرأت على الشافعي حرفا من هذه الكتب ، إلا وأحمد حاضر .
    وقال إسحاق بن راهويه : ما تكلم أحد بالرأي -وذكر جماعة من أئمة الاجتهاد- إلا والشافعي أكثر اتباعا منه ، وأقل خطأ منه ، الشافعي إمام .
    قال يحيى بن معين : ليس به بأس .
    وعن أبي ززعة الرازي ، قال : ما عند الشافعي حديث فيه غلط .
    وقال أبو داود السجستاني : ما أعلم للشافعي حديثا خطأ .
    قلت : هذا من أدل شيء على أنه ثقة حجة حافظ . وناهيك بقول مثل هذين .
    وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب كتابا في ثبوت الاحتجاج بالإمام الشافعي . وما تكلم فيه إلا حاسد أو جاهل بحاله ، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبا لارتفاع شأنه ، وعلو قدره ، وتلك سنة الله في عباده : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا .
    قال أبو حاتم الرازي : محمد بن إدريس صدوق .
    وقال الربيع بن سليمان : كان الشافعي -والله- لسانه أكبر من كتبه ، لو رأيتموه لقلتم : إن هذه ليست كتبه .
    وعن يونس بن عبد الأعلى قال : ما كان الشافعي إلا ساحرا ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله ، كأن ألفاظه سَكَرٌ . . وكان قد أوتي عذوبة منطق ، وحسن بلاغة ، وفرط ذكاء وسيلان ذهن ، وكمال فصاحة ، وحضور حجة .
    فعن عبد الملك بن هشام اللغوي ، قال : طالت مجالستنا للشافعي ، فما سمعت منه لحنة قط .
    قلت : أنى يكون ذلك ، وبمثله في الفصاحة يضرب المثل ، كان أفصح قريش في زمانه ، وكان مما يؤخذ عنه اللغة .
    قال أحمد بن أبي سريج الرازي : ما رأيت أحدا أفوه ولا أنطق من الشافعي .
    وقال الأصمعي : أخذت شعر هذيل عن الشافعي .
    وقال الزبير بن بكار : أخذت شعر هذيل ووقائعها عن عمي مصعب بن عبد الله ، وقال : أخذتها من الشافعي حفظا .
    قال موسى بن سهل الجوني حدثنا أحمد بن صالح : قال لي الشافعي : تعبد من قبل أن ترأس ، فإنك إن ترأست ، لم تقدر أن تتعبد .
    ثم قال أحمد : كان الشافعي إذا تكلم كأن صوته صوت صنج وجرس من حسن صوته .
    قال ابن عبد الحكم : ما رأيت الشافعي يناظر أحدا إلا رحمته ولو رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك ، وهو الذي علم الناس الحُجج .
    قال الربيع بن سليمان : سئل الشافعي -رحمه الله- عن مسألة ، فأعجب بنفسه ، فأنشأ يقول : إذَا المُشـْكَلاتُ تَصَدَّيْنَنِي
    كَشَـفْتُ حقَائِقَهـا بالنَّظَرْ ولَسْتُ بإِمَّعَةٍ في الرِّجَالِ
    أُســَائِلُ هذَا وذَا مَا الخَبَرْ ولكنِّي مـدره الأصْغَرَيْنِ
    فتَّـاحُ خَـيْرٍ وفَـرَّاجُ شَرْ وروى عن هارون بن سعيد الأيلي قال : لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الحجر خشب لغلب ، لاقتداره على المناظرة .
    قال الزعفراني : قدم علينا الشافعي بغداد سنة خمس وتسعين ، فأقام عندنا سنتين ، وخرج إلى مكة ، ثم قدم سنة ثمان وتسعين ، فأقام عندنا أشهرا ، وخرج -يعني إلى مصر .
    قلت : قد قدم بغداد سنة بضع وثمانين ومائة ، وأجازه الرشيد بمال ، ولازم محمد بن الحسن مدة ، ولم يلق أبا يوسف القاضي ، مات قبل قدوم الشافعي .
    قال المزني : لما وافى الشافعي مصر ، قلت في نفسي : إن كان أحد يخرج ما في ضميري من أمر التوحيد فهو . تقدمت هذه الحكاية وهذه الرواية سماع زكريا الساجي من المزني ، قال : فكلمته ، فغضب ، وقال : أتدري أين أنت ؟ هذا الموضع الذي غرق فيه فرعون . أبَلَغَكَ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بالسؤال عن ذلك ؟ قلت : لا ، قال : فهل تكلم فيه الصحابة ؟ قلت : لا .
    قال الحسن بن رشيق الحافظ : حدثنا فقير بن موسى بن فقير الأسواني ، حدثنا أبو حنيفة قحزم بن عبد الله الأسواني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الخولاني الشهابي ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم الفتح : مَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ ، فهُوَ بِخَيْرِ النّظريْنَ ، إنْ أَحَبَّ العقل أخذ ، وإنْ أَحَبَّ فلَهُ القَوَدُ رواه الدارقطني عن ابن رشيق .
    الحسن بن سفيان : حدثنا أبو ثور ، سمعت الشافعي -وكان من معادن الفقه ، ونقاد المعاني ، وجهابذة الألفاظ- يقول : حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية ، وأسماء المعاني معدودة محدودة ، وجميع أصناف الدلالات على المعاني لفظا وغير لفظ خمسة أشياء : اللفظ ، ثم الإشارة ، ثم العقد ، ثم الخط ، ثم الذي يسمى النصبة ، والنصبة في الحال الدلالة التي لا تقوم مقام تلك الأصناف ، ولا تقصر عن تلك الدلالات ، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها ، وحلية مخالفة لحلية أختها ، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة ، وعن خفائها عن التفسير ، وعن أجناسها وأفرادها ، وعن خاصها وعامها ، وعن طباعها في السار والضار ، وعما يكون بهوا بهرجا ، وساقطا مدحرجا .
    قال يونس بن عبد الأعلى : قال لي الشافعي : ليس إلى السلامة من الناس سبيل ، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه .
    قال حرملة : سئل الشافعي عن رجل في فمه تمرة ، فقال : إن أكلتها ، فامرأتي طالق ، وإن طرحتها ، فامرأتي طالق ، قال : يأكل نصفا ، ويطرح النصف .
    قال الربيع : قال لي الشافعي : إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فما لله ولي .
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:40 pm

    وقال : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة .
    قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : ما رأيت أحدا أقل صبا للماء في تمام التطهر من الشافعي .
    قال أبو ثور : سمعت الشافعي يقول : ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله ، وشكرا لله .
    الأصم : سمعت الربيع يقول : سأل رجل الشافعي عن قاتل الوزغ هل عليه غسل ؟ فقال : هذا فتيا العجائز .
    الحسن بن علي بن الأشعث المصري : حدثنا ابن عبد الحكم ، قال : ما رأت عيني قط مثل الشافعي ، قدمت المدينة ، فرأيت أصحاب عبد الملك بن الماجشون يغلون بصاحبهم ، يقولون : صاحبنا الذي قطع الشافعي ، قال : فلقيت عبد الملك ، فسألته عن مسألة ، فأجابني ، فقلت : الحجة ؟ قال : لأن مالكا قال كذا وكذا ، فقلت في نفسي : هيهات ، أسألك عن الحجة ، وتقول : قال معلمي ! وإنما الحجة عليك وعلى معلمك .
    قال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ : سألت أبا قدامة السرخسي عن الشافعي ، وأحمد ، وأبي عبيد ، وابن راهويه ، فقال : الشافعي أفقههم .
    قال يحيى بن منصور القاضي : سمعت إمام الأئمة ابن خزيمة يقول - وقلت له : هل تعرف سنة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه ؟ قال : لا .
    قال حرملة : قال الشافعي : كنت أقرئ الناس ، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، وحفظت "الموطأ" قبل أن أحتلم .
    قال الحسن بن علي الطوسي : حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، سمعت البويطي يقول : سئل الشافعي : كم أصول الأحكام ؟ فقال : خمس مائة . قيل له : كم أصول السنن ؟ قال : خمس مائة . قيل له : كم منها عند مالك ؟ قال : كلها إلا خمسة وثلاثين حديثا . قيل له : كم عند ابن عيينة ؟ قال : كلها إلا خمسة .
    قال الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول : من حلف باسم من أسماء الله فحنث ، فعليه الكفارة ؛ لأن اسم الله غير مخلوق ، ومن حلف بالكعبة وبالصفا والمروة ، فليس عليه كفارة ؛ لأنه مخلوق .
    قال حرملة : سمعت الشافعي يقول : وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أوجر عليه ولا يحمدوني .
    قال محمد بن مسلم بن وارة : سألت أحمد بن حنبل : ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين ، أهي أحب إليك ، أو التي بمصر ؟ قال : عليك بالكتب التي عملها بمصر ، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها ، ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك . وقلت لأحمد : ما ترى لي من الكتب أن أنظر فيه ، رأي مالك ، أو الثوري ، أو الأوزاعي ؟ فقال لي قولا أجلهم أن أذكره ، وقال : عليك بالشافعي ، فإنه أكثرهم صوابا وأتبعهم للآثار .
    قال عبد الله بن ناجية الحافظ : سمعت ابن وارة يقول : قدمت من مصر ، فأتيت أحمد بن حنبل ، فقال لي : كتبتَ كُتُبَ الشافعي ؟ قلت : لا ، قال : فرطت ، ما عرفنا العموم من الخصوص ، وناسخ الحديث من منسوخه ، حتى جالسنا الشافعي ، قال : فحملني ذلك على الرجوع إلى مصر ، فكتبتها .
    تفرد بهذه الحكاية عن ابن ناجية عبد الله بن محمد الرازي الصوفي ، وليس هو بثقة .
    قال محمد بن يعقوب الفرجي : سمعت علي بن المديني يقول : عليكم بكتب الشافعي .
    قلت : ومن بعض فنون هذا الإمام الطب ، كان يدريه . نقل ذلك غير واحد ، فعنه قال : عجبا لمن يدخل الحمام ، ثم لا يأكل من ساعته كيف يعيش ، وعجبا لمن يحتجم ثم يأكل من ساعته كيف يعيش . حرملة ، عن الشافعي قال : من أكل الأترج ، ثم نام ، لم آمن أن تصيبه ذبحة .
    قال محمد بن عصمة الجوزجاني : سمعت الربيع ، سمعت الشافعي يقول : ثلاثة أشياء دواء من لا دواء له وأعيت الأطباء مداواته : العنب ، ولبن اللقاح ، وقصب السكر ، لولا قصب السكر ما أقمت ببلدكم .
    وسمعته يقول : كان غلامي أعشى ، لم يكن يبصر باب الدار ، فأخذت له زيادة الكبد ، فكحلته بها فأبصر .
    وعنه : عجبا لمن تعشى البيض المسلوق فنام ، كيف لا يموت .
    وعنه : الفول يزيد في الدماغ ، والدماغ يزيد في العقل .
    وعنه : لم أَرَ أنفع للوباء ; من البنفسج ، يدهن به ويشرب .
    قال صالح بن محمد جزرة : سمعت الربيع ، سمعت الشافعي يقول : لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب ، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه .
    قال حرملة : كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ، ويقول : ضيعوا ثلث العلم ، ووكلوه إلى اليهود والنصارى .
    ويقال : إن الإمام نظر إلى شيء من النجوم ، ثم هجره ، وتاب منه .
    فقال الحافظ أبو الشيخ : حدثنا عمرو بن عثمان المكي ، حدثنا ابن بنت الشافعي : سمعت أبي يقول : كان الشافعي وهو حدث ينظر في النجوم ، وما ينظر في شيء إلا فاق فيه ، فجلس يوما وامرأته تَطْلُقُ ، فحَسَبَ ، فقال : تلد جارية عوراء ، على فَرْجِهَا خَالٌ أسود ، تموت إلى يوم كذا وكذا ، فولدت كما قال ، فجعل على نفسه أن لا ينظر فيه أبدا ، ودَفن تلك الكتب .
    قال فوران : قسمت كتب الإمام أبي عبد الله بين ولديه ، فوجدت فيها رسالتي الشافعي العراقية والمصرية بخط أبي عبد الله -رحمه الله .
    قال أبو بكر الصومعي : سمعت أحمد بن حنبل يقول : صاحب حديث لا يشبع من كتب الشافعي .
    قال علي بن أحمد الدخمسيني سمعت علي بن أحمد بن النضر الأزدي ، سمعت أحمد بن حنبل ، وسئل عن الشافعي ، فقال : لقد من الله علينا به لقد كنا تعلمنا كلام القوم ، وكتبنا كتبهم ، حتى قدم علينا ، فلما سمعنا كلامه ، علمنا أنه أعلم من غيره ، وقد جالسناه الأيام والليالي ، فما رأينا منه إلا كل خير ، فقيل له : يا أبا عبد الله ، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه -يشير إلى التشيع وأنهما نسباه إلى ذلك- فقال أحمد بن حنبل : ما ندري ما يقولان ، والله ما رأينا منه إلا خيرا .
    قلت : من زعم أن الشافعي يتشيع فهو مفتر ، لا يدري ما يقول .
    قد قال الزبير بن عبد الواحد الأسترآباذي : أخبرنا حمزة بن علي الجوهري ، حدثنا الربيع بن سليمان قال : حججنا مع الشافعي ، فما ارتقى شرفا ، ولا هبط واديا ، إلا وهو يبكي ، وينشد : يـا راكبًـا قِفْ بالمُحَصّبِ مِنَ مِنَى
    واهْتِـفْ بقَـاعِدِ خيفنـا والنَّـاهِضِ سحرًا إذا فَـاضَ الحَجِـيجُ إلى مِنَى
    فَيــْضًا كمُلــْتَطَمِ الفُرَاتِ الفَائِضِ إنْ كـانَ رَفـْضًـا حُـبُّ آلِ مُحَمَّدٍ
    فَلْــيَشْهَدِ الثّــَقَلانِ أنِّي رَافـِضِي قلت : لو كان شيعيا -وحاشاه من ذلك - لما قال : الخلفاء الراشدون خمسة ، بدأ بالصديق ، وختم بعمر بن عبد العزيز .
    الحافظ ابن عدي : حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني ، حدثنا صالح بن أحمد ، سمعت أبي يقول : سمعت "الموطأ" من الشافعي ، لأني رأيته فيه ثبتا ، وقد سمعته من جماعة قبله .
    الحاكم : سمعت أبا بكر محمد بن علي الشاشي الفقيه يقول : دخلت على ابن خزيمة ، فقال : يا بني على من درستَ الفقه ؟ فسميت له أبا الليث ، فقال : وعلى من درس ؟ قلت : على ابن سريج ، فقال : وهل أخذ ابن سريج العلم إلا من كتب مستعارة ، فقال رجل : أبو الليث هذا مهجور بالشاشي ، فإن البلد حنابلة ، فقال ابن خزيمة : وهل كان ابن حنبل إلا غلاما من غلمان الشافعي ؟
    زكريا الساجي : قلت لأبي داود : من أصحاب الشافعي ؟ فقال : أولهم الحميدي ، وأحمد بن حنبل ، والبويطي .
    ويروى بطريقين عن الشافعي قال : إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث ، فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، جزاهم الله خيرا ، هم حفظوا لنا الأصل ، فلهم علينا الفضل .
    أنبأنا محمد بن محمد بن مناقب ، عن محمد بن محمد بن محمد بن غانم ، أخبرنا أبو موسى المديني ، أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو سعد السمان ، أخبرنا أحمد بن محمد بن محمود بتستر ، حدثنا الحسن بن أحمد بن المبارك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدثنا الشافعي ، عن يحيى بن سليم ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى صلاةَ الكُسُوفِ أرْبَعَ رَكْعَاتٍ وأَرْبَعَ سَجْدَاتٍ .
    رواه الحافظ أبو سعيد النقاش : حدثنا علي بن الفضل ، حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد ، حدثنا ابن الإمام أحمد . . فذكر نحوه .
    وأخبرناه أبو علي القلانسي ، أخبرنا جعفر ، أخبرنا السلفي ، أخبرنا إسماعيل بن مالك ، أخبرنا أبو يعلى الخليلي ، حدثنا الحسين بن عبد الرزاق ، حدثنا علي بن إبراهيم بن سلمة القزويني ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل . . . فذكره بنحوه .
    أخبرنا يوسف بن زكي الحافظ في سنة أربع وتسعين ، أخبرنا المسلم بن محمد القيسي ، وعلي بن أحمد -قلت : وأجازه المذكوران لي- وعبد الرحمن بن محمد الفقيه ، أن حنبل بن عبد الله أخبرهم ، أخبرنا هبة الله بن محمد ، أخبرنا أبو علي بن المذهب ، أخبرنا أحمد بن جعفر المالكي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ. ونهى عن النَّجَش ، ونهى عن بيع حَبَل الحِبْلَة ، ونهى عن المُزَابنة . والمُزَابَنَة : بيع الثمر بالتمر كيلا ، وبيع الكَرْمِ بالزَّبِيبِ كيلا .
    هذا حديث صحيح متفق عليه ، وبعض الأئمة يفرقه ، ويجعله أربعة أحاديث ، وهذه البيوع الأربعة محرمة ، والأخيران منها فاسدان .
    أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الفقيه ، ومحمد بن أبي العز البزاز ، وست الوزراء بنت القاضي عمر بن أسعد سماعا ، قالوا : أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك اليماني (ح) وأخبرنا أحمد بن عبد المنعم القزويني ، أخبرنا محمد بن سعيد الصوفي ببغداد ، قال : أخبرنا طاهر بن محمد المقدسي ، أخبرنا مكي بن منصور الكرجي وأنبأنا أحمد بن سلامة وغيره ، عن أحمد بن محمد التيمي ، أن عبد الغفار بن محمد التاجر أجاز لهم
    قالا : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي ، أخبرنا محمد بن إدريس ، أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن عطاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة : طَوَافُكِ بالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَة يَكْفِيكِ لحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ .
    وبه قال الشافعي : وأخبرنا ابن عيينة ، عن ابن نجيح ، عن عطاء ، عن عائشة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثله . وربما أرسله عطاء . هذا حديث صالح الإسناد ، أخرجه أبو داود عن الربيع .
    قرأت على عبد المؤمن بن خلف الحافظ وعلى أبي الحسين بن الفقيه ، أخبركما الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري ، أخبرنا علي بن المفضل الحافظ من حفظي ، حدثنا شيخ الإسلام أبو طاهر السلفي لفظا ، حدثنا الإمام أبو الحسن علي بن محمد الطبري إلكيا من لفظه ببغداد ، أخبرنا إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ، أخبرنا أبي أبو محمد الفقيه ، وأخبرنا أحمد بن عبد المنعم القزويني ، أخبرنا محمد بن الخازن (ح) وأخبرنا ابن الفقيه ، وابن مشرف ، ووزيرة قالوا : أخبرنا أبو عبد الله بن الزبيدي قالا : أخبرنا أبو زُرعة طاهر بن محمد المقدسي ، أخبرنا مكي بن علان ، قالا : أخبرنا القاضي أبو بكر الجيزي حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلى صَاحِبِهِ بالخِيَارِ مَا لمْ يَتَفَرَّقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَار .
    أخرجه البخاري عن ابن يوسف ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن القعنبي ، جميعا عن مالك ، وهو مسلسل في طريقنا الأول بالفقهاء إلى منتهاه .
    وأخبرناه عاليا أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء قراءة ، عن المؤيد بن محمد الطوسي ، أخبرنا هبة الله بن سهل ، أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد ، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد ، حدثنا أبو مصعب الزهري ، حدثنا مالك بن أنس ، وأخبرنا به أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام ببعلبك ، أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة ، أخبرنا أحمد بن عبد القادر (ح) وأخبرنا سنقر بن عبد الله بحلب ، أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف ، أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار البقال ، أخبرنا أبي قالا : أخبرنا عثمان بن دوست العلاف ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله البزاز ، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي ، حدثنا عبد الله بن مسلمة ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : المُتَبَايِعَانِ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ .
    وبه إلى القعنبي : قال مالك : وليس لهذا عندنا وجه معروف ، ولا أمر معمول .
    قلت : قد عمل جمهور الأئمة بمقتضاه ، أولهم عبد الله بن عمر راوي الحديث ، والله أعلم .
    أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق الهمذاني بقراءتي عليه ، أخبرنا أبو البركات الحسن بن محمد سنة عشرين وست مائة ، أخبرنا محمد بن خليل القيسي ، وأخبرنا أبو جعفر محمد بن علي السلمي ، وأحمد بن عبد الرحمن الصوري قالا : أخبرنا أبو القاسم بن صصرى ، أخبرنا أبو القاسم الحسين بن الحسن الأسدي ، وأبو يعلى حمزة بن علي الثعلبي ، وأخبرنا علي بن محمد الحافظ ، وعمر بن عبد المنعم الطائي ، وعبد المنعم بن عبد اللطيف ، ومحمد بن محمد الفارسي وغيرهم قالوا : أخبرنا القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله الشافعي ، وأخبرنا الحسن بن علي بن الجوهري ، وخديجة بنت يوسف الواعظة قالا : أخبرنا مكرم بن محمد بن أبي الصقر ، وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن القواس ، وابن عمه أبو حفص عمر بن عبد المنعم ، والقاضي تقي الدين سليمان بن أبي عمر ، والتقي بن مؤمن ، وفاطمة بنت سليمان ، وأبو علي بن الخلال ، ومحمد بن الحسن الأرموي ، وست الفخر بنت عبد الرحمن ، قالوا : حدثتنا أم الفضل كريمة بنت عبد الوهاب القرشية قالوا ثلاثتهم : أخبرنا أبو يعلى بن الحبوبي ، قال هو وابن خليل والأسدي ، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن أبي العلا المصيصي قراءة عليه ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر التميمي سنة ثمان عشرة وأربع مائة ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت في سنة ست وثلاثين وثلاث مائة ، حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ، حدثنا ابن عيينة ، عن جامع وعبد الملك ، سمعا أبا وائل يخبر عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : مَنْ حَلَفَ على يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بها مَالَ أمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ يومَ القِيَامَةِ وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان. قيلَ : يا رسول الله ، وإنْ كانَ شيئًا يسيرًا ؟ قال : وإنْ كانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ .
    أخبرنا أبو الحسين يحيى بن أحمد الجذامي وعلي بن أحمد الحسيني ، ومحمد بن الحسين القرشي بقراءتي ، قالوا : أخبرنا محمد بن عماد ، أخبرنا عبد الله بن رفاعة ، أخبرنا أبو الحسن الخلعي ، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر المالكي ، أخبرنا أبو الطاهر أحمد بن محمد المدينى ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، عن الشافعي ، عن محمد بن خالد الجندي ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن ، عن أنس ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : لا يَزْدَادُ الأمْرُ إلاَّ شِدَّة ، ولا الدُّنْيَا إلاَّ إدْبَارًا ولا النَّاسُ إلاَّ شُحًّا ، ولا تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ عَلى شِرَارِ النَّاسِ ، لا مَهْدِيَّ إلاَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَم .
    أخرجه ابن ماجه عن يونس ، فوافقناه ، وهو خبر منكر ، تفرد به يونس بن عبد الأعلى الصدفي أحد الثقات ، ولكنه ما أحسبه سمعه من الشافعي ، بل أخبره به مخبر مجهول ليس بمعتمد ، وقد جاء في بعض طرقه الثابتة عن يونس قال : حدثت عن الشافعي فذكره .
    أخبرنا الحسن بن علي القلانسي ، أخبرنا عبد الله بن عمر ، أخبرنا عبد الأول بن عيسى ، أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الحافظ ، أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي ، أخبرنا أبو إسحاق القراب أخبرنا أبو يحيى الساجي ، حدثنا أبو داود السجزي ، حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا الشافعي ، حدثنا مالك ، عن ابن عجلان ، عن أبيه قال : "إذا أغفل العالم" لا أدري " أصيبت مقاتله . فغالب هذا الإسناد مسلسل بالحفاظ من أبي إسماعيل إلى عجلان -رحمه الله .
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:41 pm

    وبه إلى أبي إسماعيل قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا محمد بن عبد الله ، أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه ، حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي -وكان من الإسلام بمكان- قال : رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس ، ورأيت أحمد وإسحاق حاضرين ، فقال الشافعي : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : وهَلْ تَرَكَ لنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ فقال إسحاق : حدثنا يزيد ، عن الحسن ، وأخبرنا أبو نعيم وعبدة ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم أنهما لم يكونا يريانه ، وعطاء وطاوس لم يكونا يريانه . فقال الشافعي : من هذا ؟ قيل : إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بن راهويه ، فقال الشافعي : أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم ، ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك ، فكنت آمر بعرك أذنيه ، أقول : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وأنت تقول : عطاء ، وطاوس ، ومنصور عن إبراهيم والحسن ، وهل لأحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حُجة ؟ !
    وبه إلى أبي إسماعيل قال : حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله الفقيه إملاءً ، سمعت أحمد بن محمد بن فراشة الفقيه بمرو ، سمعت أحمد بن منصور الشيرازي ، سمعت الحسن بن محمد الطبري ، سمعت محمد بن المغيرة ، سمعت يونس بن عبد الأعلى ، سمعت الشافعي ، وحدثنا عمر بن محمد إملاء ، أخبرنا محمد بن الحسن الساوي بمرو ، حدثنا محمد بن أبي بكر المروزي ، حدثنا علي بن محمد المروزي ، حدثنا أبو الفضل صالح بن محمد الرازي ، سمعت البويطي ، سمعت الشافعي يقول : إذا رأيتُ رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيتُ رجلا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . زاد البويطي : قال الشافعي : جزاهم الله خيرا ، فهم حفظوا لنا الأصل ، فلهم علينا فضل .
    وبه : أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي ، أخبرنا أبو إسحاق القراب ، أخبرنا أبو يحيى الساجي ، عن البويطي ، سمع الشافعي يقول : عليكم بأصحاب الحديث ، فإنهم أكثر الناس صوابا .
    ويروى عن الشافعي : لولا المَحَابِرُ لخَطَبَتِ الزَّنَادِقَةُ على المَنابر .
    الأصم : حدثنا الربيع ، قال الشافعي : المُحْدَثَاتُ من الأمور ضربان : ما أُحْدِثَ يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا ، فهذه البدعة ضلالة ، وما أُحْدِثَ من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا ، فهذه مُحْدَثَةٌ غير مذمومة ، قد قال عمر في قيام رمضان : نِعْمَتِ البِدْعَة هذه ، يعني أنها محدثة لم تكن ، وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى . رواه البيهقي عن الصدفي ، عن الأصم .
    قال أحمد بن سلمة النيسابوري : تزوج إسحاق بن راهويه بامرأة رجل كان عنده كتب الشافعي ، مات ، لم يتزوج بها إلا للكتب ، قال : فوضع "جامع الكبير" على كتاب الشافعي ، ووضع "جامع الصغير" على "جامع سفيان" ، فقدم أبو إسماعيل الترمذي نيسابور ، وكان عنده كتب الشافعي عن البويطي ، فقال له إسحاق : لا تحدث بكتب الشافعي ما دمت هنا ، فأجابه .
    قال داود بن علي : سمعمت ابن راهويه يقول : ما كنت أعلم أن الشافعي في هذا المحل ، ولو علمت لم أفارقه .
    قال محمد بن إبراهيم البوشنجي : قال إسحاق : قلت للشافعي : ما حال جعفر بن محمد عندكم ؟ فقال : ثقة ، كتبنا عن إبراهيم بن أبي يحيى عنه أربع مائة حديث .
    قال يونس بن عبد الأعلى : سمعت الشافعي يقول : ما رأيت أفقه من سفيان بن عيينة ولا أسكت عن الفتيا منه .
    روى أبو الشيخ الحافظ وغيره من غير وجه : أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك ، وأقبلوا عليه ، فلما أن رأوه يخالف مالكا ، وينقض عليه ، جفوه وتنكروا له ، فأنشأ يقول : أَأَنْـــثُرُ دُرًّا بَيْنَ سَــارِحَةِ النَّـعَمْ
    وأَنْظُـــمُ مَنْثُـورًا لِرَاعِيَـةِ الغَنَـمْ لَعَمْـــرِي لَئِنْ ضُيِّعْتُ في شَرِّ بَلْدَةٍ
    فَلَــسْتُ مُضَيِّعًا بَيْنَهُم غُرَرَ الحِكَــمْ فـإنْ فَـرَّجَ اللـهُ اللَّطِيـفُ بِلُطْفِـهِ
    وصَـادَفْتُ أهْلاً للعُلُــومِ وللْحِــكَمْ بَثَـثْـتُ مُفِيـدًا واسْـتَفَدْتُ وِدَادَهُـم
    وإلاَّ فَمَخْــزُونٌ لـــدَيَّ ومُكْــتَتَمْ ومَـنْ مَنَـحَ الجُهَّـالَ عِلْمًـا أَضَاعَهُ
    ومَـنْ مَنَـعَ المُسْـتَوْجِبِينَ فقـد ظَلَمْ وكَــاتِمُ عِلْـمَ الـدِّينِ عمَّـنْ يُرِيدُهُ
    يَبُــوءُ بِــإِثْم زَاد وآثِــمٌ إذا كَـتَمْ قال أبو عبد الله بن منده : حدثت عن الربيع قال : رأيت أشهب بن عبد العزيز ساجدا يقول في سجوده : اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك ، فبلغ الشافعي ، فأنشأ يقول : تَمَنَّــى رِجَــالٌ أنْ أمُــوتَ وإنْ أمُــتْ
    فتِلْــكَ سَــبِيلٌ لَسْــت فيهــا بــأَوْحَدِ فَقُــلْ للَّـذِي يبْغِـي خِـلافَ الـذي مَضَـى
    تهيَّـــأ لأخْــرَى مِثْلِهَــا فكَــأَنْ قَــدِ وقَــدْ عَلِمُــوا لَوْ يَنْفَــعُ العِلْمُ عنــْدَهُم
    لئــِـنْ مُــتُّ ما الــدَّاعِــي عَلَيَّ بِمُخَلَّدِ قال المبرد : دخل رجل على الشافعي ، فقال : إن أصحاب أبي حنيفة لفصحاء . فأنشأ يقول : فلـولا الشِّعْرُ بالعُلَمَاءِ يُزْرِي
    لكــنتُ اليَـوْمَ أَشْعَـرَ مِنْ لَبِيدِ وأَشْجَعُ في الوَغَى مِنْ كُلِّ ليْثٍ
    وآلِ مُهَلَّـبٍ وأبِــي يزِيـــدِ ولولا خَشْـيَةُ الرَّحْـمَنِ ربِّـي
    حَسِـبْتُ النـاسَ كُـلَّهُم عَبِيـدِي ولأبي عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي في الشافعي : ومِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ حُبُّ ابنِ شَافِعِ
    وفَـرْضٌ أكِيدٌ حبّه لا تَطَوُّعِ وإنِّي حياتِي شَـافِعِيٌّ فـإنْ أَمُـتْ
    فَتَوْصِيَتِي بَعْدِي بِأَنْ يَتَشَفَّعُوا قال الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن غانم في كتاب "مناقب الشافعي" له ، وهو مجلد : جمعت ديوان شعر الشافعي كتابا على حدة . ثم إنه ساق بإسناد له إلى ثعلب قال : الشافعي إمام في اللغة .
    قال أبو نعيم بن عدي الحافظ سمعت الربيع مرارا يقول : لو رأيت الشافعي وحسن بيانه وفصاحته ، لعجبت ، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلم بها معنا في المناظرة ، لم نقدر على قراءة كتبه لفصاحته ، وغرائب ألفاظه ، غير أنه كان في تأليفه يوضح للعوام .
    حرملة : سمعت الشافعي يقول : ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب ، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس . هذه حكاية نافعة ، لكنها منكرة ، ما أعتقد أن الإمام تفوه بها ، ولا كانت أوضاع أرسطوطاليس عربت بعد البتة . رواها أبو الحسن علي بن مهدي الفقيه ، وحدثنا محمد بن هارون ، حدثنا هميم بن همام ، حدثنا حرملة . ابن هارون مجهول .
    قال مصعب بن عبد الله : ما رأيت أحدا أعلم بأيام الناس من الشافعي .
    ونقل الإمام ابن سريج عن بعض النسابين قال : كان الشافعي من أعلم الناس بالأنساب ، لقد اجتمعوا معه ليلة ، فذاكرهم بأنساب النساء إلى الصباح ، وقال : أنساب الرجال يعرفها كل أحد .
    الحسن بن رشيق : أخبرنا أحمد بن علي المدائني قال : قال المزني : قدم علينا الشافعي فأتاه ابن هشام صاحب المغازي ، فذاكره أنساب الرجال ، فقال له الشافعي : دع عنك أنساب الرجال ، فإنها لا تذهب عنا وعنك ، وحدثنا في أنساب النساء ، فلما أخذوا فيها بقي بن هشام .
    قال يونس الصدفي : كان الشافعي إذا أخذ في أيام الناس قلت : هذه صناعته .
    وعن الشافعي قال : ما أردت بها -يعني: العربية والأخبار- إلا للاستعانة على الفقه .
    قال أبو حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : ما رأيت أحدا لقي من السقم ما لقي الشافعي ، فدخلت عليه ، فقال : اقرأ ما بعد العشرين والمائة من آل عمران ، فقرأت ، فلما قمت قال : لا تغفل عني فإني مكروب.
    قال يونس : عنى بقراءتي ما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أو نحوه .
    ابن خزيمة وغيره : حدثنا المزني قال : دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه ، فقلت : يا أبا عبد الله ، كيف أصبحت ؟ فرفع رأسه ، وقال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولسوء عملي ملاقيا ، وعلى الله واردا ، ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها ، أو إلى نار فأعزيها ، ثم بكى ، وأنشأ يقول : ولمَّا قَسَـا قلبِــي وضَــاقَتْ مَـذَاهِبِي
    جَــعَلْتُ رجَــائِي دُونَ عَفْــوِكَ سُـلَّمَا تَعَـــاظَمَنِي ذَنْبِــي فلمَّــا قَرَنْتُــهُ
    بِعَفْـوِكَ ربِّــي كــانَ عفْــوُكَ أعْظَمَـا فمَــا زِلْــتَ ذَا عَفْوٍ عنِ الذَّنْبِ لمْ تَزَلْ
    تَجُـــودُ وتَعْفُـــو مِنَّـــةً وتَكَرُّمَــا فـانْ تَنْتَقِــمْ مِنِّــي فَلَسْــتُ بـآيِسٍ
    ولـــو دَخَـلَتْ نَفْسِـي بِجُـرْمِي جَهَنَّمَـا ولولاكَ لـمْ يَغْــوَى بــإبْلِيسَ عــابدٌ
    فكـيْفَ وقــد أَغْــوَى صَفِيَّــكَ آدَمَـا وإنِّــي لآتِــي الـذَّنْبَ أَعْـرِفُ قَـدْرَهُ
    وأعلـمُ أنَّ اللــه يَعْفُـــو تَرَحُّمَـــا إسناده ثابت عنه .
    قال أبو العباس الأصم : حدثنا الربيع بن سليمان : دخلت على الشافعي وهو مريض ، فسألني عن أصحابنا ، فقلت : إنهم يتكلمون ، فقال : ما ناظرت أحدا قَط على الغلبة ، وبودي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب -يعني كتبه- على أن لا ينسب إليَّ منه شيء . قال هذا يوم الأحد ، ومات يوم الخميس ، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة ، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين وله نيِّف وخمسون سنة .
    ابن أبي حاتم : كتب إلي أبو محمد السجستاني نزيل مكة ، حدثني الحارث بن سريج ، قال : دخلت مع الشافعي على خادم الرشيد ، وهو في بيت قد فرش بالديباج ، فلما أبصره رجع ، فقال له الخادم : ادخل ، قال : لا يحل افتراش الحرم ، فقام الخادم متبسما ، حتى دخل بيتا قد فرش بالأرمني فدخل الشافعي ، ثم أقبل عليه ، فقال : هذا حلال ، وذاك حرام ، وهذا أحسن من ذاك ، وأكثر ثمنا ، فتبسم الخادم ، وسكت .
    وعن الربيع للشافعي : لقـد أصْبَحَـتْ نَفْسِي تَتُوقُ إلى مِصْرَ
    ومِنْ دُونِهَا أَرْضُ المَهَامِه والقَفْرِ فواللـه مــا أدْرِي ألِلْمَـالِ والغِنَـى
    أُسَاقُ إليها أمْ أُسَاقُ إلـى قَـبْرِي قال الميموني : سمعت أحمد يقول : سألت الشافعي عن القياس ، فقال : عند الضرورات .
    أخبرنا أبو علي بن الخلال ، أخبرنا ابن اللتي ، أخبرنا أبو الوقت ، أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري ، أخبرنا محمد بن موسى ، حدثنا محمد بن يعقوب ، سمعت الربيع يقول : سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقولوا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعوا ما قلت .
    سمعنا جزءا في رحلة الشافعي ، فلم أسُق منه شيئا لأنه باطل لمن تأمله وكذلك عزي إليه أقوال وأصول لم تثبت عنه ، ورواية ابن عبد الحكم عنه في محاشِ النساء منكرة ، ونصوصه في تواليفه بخلاف ذلك .
    وكذا وصية الشافعي من رواية الحسين بن هشام البلدي غير صحيحة .
    وقال شيخ الإسلام علي بن أحمد بن يوسف الهكاري في كتاب "عقيدة الشافعي" له : أخبرنا أيو يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو القاسم بن علقمة الأبهري ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، سمعت أبا عبد الله الشافعي يقول -وقد سئل عن صفات الله -تعالى- وما يؤمن به- فقال : لله أسماء وصفات جاء بها كتابه ، وأخبر بها نبيه -صلى الله عليه وسلم- أمته ، لا يسع أحدا قامت عليه الحجة ردها ؛ لأن القرآن نزل بها ، وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القول بها ، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه ، فهو كافر ، فأما قبل ثبوت الحجة ، فمعذور بالجهل ، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ، ولا بالروية والفكر ، ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها ، ونثبت هذه الصفات ، وننفي عنها التشبيه ، كما نفاه عن نفسه ، فقال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
    قال مصعب بن عبد الله : كان الشافعي يسمر مع أبي إلى الصباح .
    وقال المبرد : كان الشافعي من أشعر الناس ، وآدب الناس ، وأعرفهم بالقراءات .
    ومن مناقب هذا الإمام قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إنَّمَا بنُو هَاشِمٍ وبنُو المُطَّلِبِ شيءٌ واحِدٌ لمْ يُفَارِقُونَا في جاهليَّةٍ ولا إِسْلامِ أخرجه البخاري .
    قال يحيى القطان : مما نقله البيهقي في "المدخل" له : ما رأيت أعقل -أو قال أفقه- من الشافعي ، وأنا أدعو الله له أخصه به .
    وقال الحاكم : حدثنا الزبير بن عبد الواحد ، حدثني العباس بن الفضل بأرسوف حدثنا محمد بن عوف ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء : في اللغة ، واختلاف الناس ، والمعاني ، والفقه .
    قال إبراهيم الحربي ، سألت أحمد عن الشافعي ، فقال : حديث صحيح ، ورأي صحيح ، وسألته عن مالك . . . وذكر القصة .
    أحمد بن محمد بن عبيدة : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل .
    قال البيهقي فيما أجاز لنا ابن علان وفاطمة بنت عساكر ، عن منصور الفراوي أخبرنا أبو المعالي الفارسي ، أخبرنا أبو بكر البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، حدثنا محمد بن العباس العصمي حدثنا أبو إسحاق بن ياسين الهروي ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري ، سمعت المروذي يقول : قال أحمد بن حنبل : إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا ، قلت فيها بقول الشافعي ، لأنه إمام قرشي ، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلأُ الأَرْضَ عِلْمًا إلى أن قال أحمد : وإني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي .
    روى أبو داود الطيالسي وإسحاق بن إسرائيل ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي الجارود النضر بن حميد عن أبي الجارود عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فإنَّ عَالِمُهَا يمَلأ الأرْضَ عِلْمًا .
    قلت : النضر ، قال فيه أبو حاتم : متروك الحديث .
    يتبع...

    أبو عادل
    عضو ذهبي
    عضو ذهبي

    ذكر عدد الرسائل : 1696
    العمر : 62
    الاوسمة :
    تاريخ التسجيل : 02/05/2008

    رد: الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.

    مُساهمة من طرف أبو عادل في الثلاثاء مايو 20, 2008 9:41 pm

    قال أبو بكر بن زياد النيسابوري : سمعت الربيع يقول : كان الشافعي يختم القرآن في كل رمضان ستين ختمة ، وفي كل شهر ثلاثين ختمة . وكان يحدث وطست تحته ، فقال يوما : اللهم إن كان لك فيه رضى ، فزد فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري -يعني زاهد مصر- : لست من رجال البلاء ، فسل الله العافية .
    الزبير بن عبد الواحد : حدثنا محمد بن عقيل الفريابي قال : قال المزني أو الربيع : كنا يوما عند الشافعي ، إذ جاء شيخ عليه ثياب صوف ، وفي يده عكازة ، فقام الشافعي ، وسوى عليه ثيابه ، وسلم الشيخ ، وجلس ، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة له ، إذ قال الشيخ : أسأل ؟ قال : سل ، قال : ما الحجة في دين الله ؟ قال : كتاب الله.
    قال : وماذا ؟ قال : سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . قال : وماذا ؟ قال : اتفاق الأمة . قال : من أين قلت : اتفاق الأمة ؟ فتدبر الشافعي ساعة ، فقال الشيخ : قد أجلتك ثلاثا ، فان جئت بحجة من كتاب الله ، وإلا تب إلى الله تعالى ، فتغير لون الشافعي ، ثم إنه ذهب ، فلم يخرج إلى اليوم الثالث بين الظهر والعصر ، وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام ، فجلس ، فلم يكن بأسرع من أن جاء الشيخ ، فسلم ، وجلس ، فقال : حاجتي ؟ فقال الشافعي : نعم ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، قال الله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى الآية.
    قال : فلا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرضى ، فقال : صدقت ، وقام فذهب . فقال الشافعي : قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات ، حتى وقفت عليه .
    أنبئت بهذه القصة عن منصورالفراوي ، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي ، أخبرنا أبو بكر البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا الزبير . . فذكرها .
    قال الزعفراني : قدم علينا الشافعي بغداد في سنة خمس وتسعين ، فأقام عندنا أشهرا ، ثم خرج . وكان يخضب بالحناء ، وكان خفيف العارضين.
    وقال أحمد بن سنان : رأيته أحمر الرأس واللحية -يعني أنه اخْتَضَبَ .
    قال الطبراني : سمعت أبا يزيد القراطيسي يقول : حضرت جنازة ابن وهب ، وحضرت مجلس الشافعي .
    أبو نعيم في "الحلية" : حدثنا عبيد بن خلف البزار ، حدثني إسحاق بن عبد الرحمن ، سمعت حسينا الكرابيسي ، سمعت الشافعي يقول : كنت امرأ أكتب الشعر ، فآتي البوادي ، فأسمع منهم ، فقدمت مكة ، فخرجت وأنا أتمثل بشعر للبيد ، وأضرب وحشي قدمي بالسوط ، فضربني رجل من ورائي من الحجبة ، فقال : رجل من قريش ثم ابن المطلب ، رضي من دينه ودنياه أن يكون معلما ، ما الشعر إذا استحكمت فيه فعدت معلما ؟ تفقه يعلك الله . فنفعني الله بكلامه ، فكتبت ما شاء الله من ابن عيينة ، ثم كنت أجالس مسلم بن خالد ، ثم قدمت على مالك ، فلما عرضت عليه إلى كتاب السير ، قال لي : تفقه تعل يا ابن أخي ، فجئت إلى مصعب بن عبد الله ، فكلمته أن يكلم لي بعض أهلنا ، فيعطيني شيئا ، فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم ، فقال لي مصعب : أتيت فلانا ، فكلمته ، فقال : أتكلمني في رجل كان منا ، فخالفنا ؟
    قال : فأعطاني مائة دينار ؟ ثم قال لي مصعب : إن الرشيد كتب إلي أن أصير إلى اليمن قاضيا ، فتخرج معنا ، لعل الله أن يعوضك ، فخرجت معه ، وجالسنا الناس ، فكتب مطرف بن مازن إلى الرشيد : إن أردت اليمن لا يفسد عليك ولا يخرج من يدك ، فأخرج عنه محمد بن إدريس ، وذكر أقواما من الطالبيين ، فبعث إلى حماد البربري ، فأوثقت بالحديد ، حتى قدمنا على هارون الرقة ، فأدخلت عليه . . . وذكر اجتماعه بعد بمحمد بن الحسن ، ومناظرته له .
    قال الحميدي : عن الشافعي قال : كان منزلنا بمكة في شعب الخيف ، فكنت أنظر إلى العظم يلوح ، فأكتب فيه الحديث أو المسألة ، وكانت لنا جرة قديمة ، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة .
    قال عمرو بن عثمان المكي ، عن الزعفراني ، عن يحيى بن معين ، سمعت يحيى بن سعيد يقول : أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين .
    قال ابن ماجه القزويني : جاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل ، فبينا هو عنده ; إذ مر الشافعي على بغلته ، فوثب أحمد يسلم عليه ، وتبعه ، فأبطأ ، ويحيى جالس ، فلما جاء ، قال يحيى : يا أبا عبد الله ، كم هذا ؟ فقال : دع عنك هذا ؟ إن أردت الفقه ، فالزم ذنب البغلة .
    قال أحمد بن العباس النسائي : سمعت أحمد بن حنبل مالا أحصيه وهو يقول : قال أبو عبد الله الشافعي . ثم قال : ما رأيت أحدا أتبع للأثر من الشافعي .
    أبو حاتم : حدثنا يونس ، سمعت الشافعي يقول : ناظرت يوما محمد بن الحسن ، فاشتد مناظرتي له ، فجعلت أوداجه تنتفخ ، وأزراره تنقطع زِرًّا زِرًّا .
    وعن الشافعي قال : سميت ببغداد ناصر الحديث .
    وقال يونس : سمعت الشافعي يقول : ما فاتني أحد كان أشد علي الليث ، وابن أبي ذئب ، والليث أتبع للأثر من مالك .
    أخبرنا أحمد بن سلامة إجازة ، عن مسعود الجمال ، أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهل ، حدثني حسان بن أبان القاضي بمصر ، حدثني جامع بن القاسم البلخي ، حدثني أبو بكر محمد بن يزيد بن حكيم المستملي قال : رأيت الشافعي في المسجد الحرام ، وقد جعلت له طنافس ، فجلس عليها ، فأتاه رجل من أهل خراسان ، فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول في أكل فرخ الزنبور ؟ فقال : حرام . فقال : حرام ؟ ! قال : نعم من كتاب الله ، وسنة رسول الله ، والمعقول ، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وحدثنا سفيان ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مولى لربعي ، عن حذيفة ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : اقْتَدُوا باللَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعمَر هذا الكتاب والسنة .
    وحدثونا عن إسرائيل ، قال أبو بكر المستملي : حدثنا أبو أحمد ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سويد بن غفلة ، أن عمر أمر بقتل الزنبور ، وفي المعقول أن ما أمر بقتله فحرام أكله .
    وقال أبو نعيم : حدثنا الحسن بن سعد ، حدثنا زكريا الساجي ، سمعت البويطي ، سمعت الشافعي يقول : إنما خلق الله الخلق بِكُنْ ، فإذا كانت "كُنْ" مخلوقة فكأن مخلوقا خلق بمخلوق .
    الربيع : سمعت الشافعي يقول : لم أَرَ أحدا أشهد بالزور من الرافضة .
    وقال : لا يبلغ في هذا الشأن رجل حتى يضر به الفقر ، ويؤثره على كل شيء .
    وقال يونس بن عبد الأعلى : سمعت الشافعي يقول : يا يونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط .
    وقال لي : رضى الناس غاية لا تدرك ، وليس إلى السلامة منهم سبيل ، فعليك بما ينفعك فالزمه .
    وعن الشافعي : العلم ما نفع ليس العلم ما حفظ .
    وعنه : اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل .
    وعنه : لو أعلم أن الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته .
    أبو نعيم : حدثنا ابن المقرئ ، سمعت يوسف بن محمد بن يوسف المروزي يقول : عن عمر بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن أبيه ، سمعت الشافعي يقول : بينما أنا أدور في طلب العلم ، ودخلت اليمن ، فقيل لي : بها إنسان من وسطها إلى أسفل بدن امرأة ، ومن وسطها إلى فوق بدنان مفترقان بأربع أيد ورأسين ووجهين ، فأحببت أن أنظر إليها ، فلم أستحل حتى خطبتها من أبيها ، فدخلت ، فإذا هي كما ذكر لي ، فلعهدي بهما ، وهما يتقاتلان ، ويتلاطمان ، ويصطلحان ، ويأكلان ، ثم إني نزلت عنها ، وغبت عن تلك البلد ، -أحسبه قال : سنتين- ثم عدت ، فقيل لي : أحسن الله عزاءك في الجسد الواحد ، توفي ، فعمد إليه ، فربط من أسفل بحبل ، وترك حتى ذبل ، فقطع ودفن ، قال الشافعي : فلعهدي بالجسد الواحد في السوق ذاهبا وجائيا أو نحوه .
    هذه حكاية عجيبة منكرة ، وفي إسنادها من يجهل .
    وعن الشافعي قال : ما نقص من أثمان السود إلا لضعف عقولهم ، وإلا هو لون من الألوان .
    إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبهاني : حدثنا الربيع ، قال : كان الشافعي يختم في رمضان ستين ختمة .
    قال إبراهيم بن محمد الشافعي : ما رأيت أحدا أحسن صلاة من الشافعي ، وذاك أنه أخذ من مسلم بن خالد ، وأخذ مسلم من ابن جريج ، وأخذ ابن جريج من عطاء ، وأخذ عطاء من ابن الزبير ، وأخذ ابن الزبير من أبي بكر الصديق ، وأخذ أبو بكر من النبي -صلى الله عليه وسلم .
    وعن الشافعي قال : رأيت باليمن بنات تسع يحضن كثيرا .
    قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : يقولون : ماء العراق ، وما في الدنيا مثل ماء مصر للرجال ، لقد قدمت مصر وأنا مثل الخصي ما أتحرك ، قال : فما برح من مصر حتى ولد له .
    محمد بن إبراهيم بن جناد : حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي سمعت الشافعي يقول : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة ، يسمونه التغبير يشغلون به عن القرآن .
    عن الشافعي : ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن ،
    قيل : ولم ؟ قال : لأن العاقل لا يعدو من إحدى خلتين ، إما يغتم لآخرته أو لدنياه ، والشحم مع الغم لا ينعقد .
    أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمرو المعدل في سنة اثنتين وتسعين وبعدها ، أخبرنا الحسن بن علي بن الحسين الأسدي ، أخبرنا جدي أبو القاسم الحسين بن الحسن ، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الفقيه ، أخبرنا محمد بن الفضل بن نظيف الفراء بمصر سنة تسع عشرة وأربع مائة ، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين الصابوني سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة ، حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهَى عن الوِصَالِ ، فقيل : إنك تُوَاصِلُ. فقال : لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى .
    قلت : كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية ، لا يلتفت إليه ، بل يُطوى ولا يُروى ، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين ، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف ، وبعضه كذب ، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا ، فينبغي طيه وإخفاؤه ، بل إعدامه لتصفو القلوب ، وتتوفر على حب الصحابة ، والترضي عنهم ، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء .
    وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى ، بشرط أن يستغفر لهم ، كما علمنا الله تعالى حيث يقول : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا .
    فالقوم لهم سوابق ، وأعمال مكفرة لما وقع منهم ، وجهاد محاء ، وعبادة ممحصة ، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم ، ولا ندعي فيهم العصمة ، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض ، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأئمة ، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة ، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد ، وأمهات المؤمنين ، وبنات نبينا -صلى الله عليه وسلم- ، وأهل بدر مع كونهم على مراتب ، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص آية سورة الفتح ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو ، وهذه الحلبة ، ثم سائر من صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجاهد معه ، أو حج معه ، أو سمع منه ، رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات .
    فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك ، فلا نعرج عليه ، ولا كرامة ، فأكثره باطل وكذب وافتراء ، فدأب الروافض رواية الأباطيل ، أو رد ما في الصحاح والمسانيد ، ومتى إفاقة من به سكران ؟ ! ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض ، وتحاربوا ، وجرت أمور لا يمكن شرحها ، فلا فائدة في بثها .
    ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة ، والعاقل خصم نفسه ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، ولحوم العلماء مسمومة ، وما نقل من ذلك لتبين غلط العالم ، وكثرة وهمه ، أو نقص حفظه ، فليس من هذا النمط ، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن ، والحسن من الضعيف . وإمامنا ، فبحمد الله ثبت في الحديث ، حافظ لما وعى ، عديم الغلط ، موصوف بالإتقان ، متين الديانة ، فمن نال منه بجهل وهوى ممن علم أنه منافس له ، فقد ظلم نفسه ، ومقتته العلماء ، ولاح لكل حافظ تحامله ، وجر الناس برجله ، ومن أثنى عليه ، واعترف بإمامته وإتقانه ، وهم أهل العقد والحل قديما وحديثا ، فقد أصابوا ، وأجملوا ، وهدوا ، ووفقوا .
    وأما أئمتنا اليوم وحكامنا ، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى ، فقد يقال : أحسنوا ووفقوا ، وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر .
    وبكل حال فالجهال والضلال قد تكلموا في خيار الصحابة . وفي الحديث الثابت : لا أَحَدَ أَصْبَر على أذًى يَسْمَعُهُ من اللهِ ، إِنَّهُمْ لَيَدَّعُونَ لَه وَلَدًا ، وإنه لَيَرْزُقُهُم ويُعَافِيهم .
    وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام -رحمه الله ، فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الإمام ، ولله الحمد .
    ولا ريب أن الإمام لما سكن مصر ، وخالف أقرانه من المالكية ، ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة ، وخالف شيخه في مسائل ، تألموا منه ، ونالوا منه ، وجرت بينهم وحشة ، غفر الله للكل ، وقد اعترف الإمام سحنون ، وقال : لم يكن في الشافعي بدعة . فصدق والله ، فرحم الله الشافعي ، وأين مثل الشافعي والله ! في صدقه ، وشرفه ، ونبله ، وسعة علمه ، وفرط ذكائه ، ونصره للحق ، وكثرة مناقبه -رحمه الله تعالى .
    قال الحافظ أبو بكر الخطيب في مسألة الاحتجاج بالإمام الشافعي ، فيما قرأت على أبي الفضل بن عساكر ، عن عبد المعز بن محمد ، أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد ، أخبرنا الخطيب قال : سألني بعض إخواننا بيان علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في "الجامع" ؟
    وذكر أن بعض من يذهب إلى رأي أبي حنيفة ضعف أحاديث الشافعي ، واعترض بإعراض البخاري عن روايته ، ولولا ما أخذ الله على العلماء فيما يعلمونه ليبيننه للناس ; لكان أولى الأشياء الإعراض عن اعتراض الجهال ، وتركهم يعمهون ، وذكر لي من يشار إليه خلو كتاب مسلم وغيره من حديث الشافعي ، فأجبته بما فتح الله لي .
    ومثل الشافعي من حسد ، وإلى ستر معالمه قصد ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، ويظهر من كل حق مستوره ، وكيف لا يغبط من حاز الكمال ، بما جمع الله له من الخلال اللواتي لا ينكرها إلا ظاهر الجهل ، أو ذاهب العقل . . ثم أخذ الخطيب يعدد علوم الإمام ومناقبه ، وتعظيم الأئمة له ، وقال : أبَـــى اللـــهُ إلاَّ رفْعَـــه وعُلُــوَّهُ
    ولَيْسَ لِمَنْ يُعْلِيهِ ذُو العَرْشِ وَاضِعُ إلى أن قال : والبخاري هذب ما في " جامعه " ، غير أنه عدل عن كثير من الأصول إيثارا للإيجاز ، قال إبراهيم بن معقل : سمعت البخاري يقول : ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صح ، وتركت من الصحاح لحال الطول . فترك البخاري الاحتجاج بالشافعي ، إنما هو لا لمعنى يوجب ضعفه ، لكن غني عنه بما هو أعلى منه ، إذ أقدم شيوخ الشافعي مالك ، والدراوردي ، وداود العطار ، وابن عيينة . والبخاري لم يدرك الشافعي ، بل لقي من هو أسن منه ، كعبيد الله بن موسى ، وأبي عاصم ممن رووا عن التابعين ، وحدثه عن شيوخ الشافعي عدة ، فلم يَرَ أن يروي عن رجل ، عن الشافعي ، عن مالك .
    فإن قيل : فقد روى عن المسندي ، عن معاوية بن عمرو ، عن الفزاري ، عن مالك ، فلا شك أن البخاري سمع هذا الخبر من أصحاب مالك ، وهو في "الموطأ" فهذا ينقض عليك ؟ !
    قلنا : إنه لم يرو حديثا نازلا وهو عنده عال ، إلا لمعنى ما يجده في العالي ، فأما أن يورد النازل ، وهو عنده عال ، لا لمعنى يختص به ، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختلف فيه ; فهذا غير موجود في الكتاب . وحديث الفزاري فيه بيان الخبر ، وهو معدوم في غيره ، وجوده الفزاري بتصريح السماع .
    ثم سرد الخطيب ذلك من طرق عدة ، قال : والبخاري يتبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث ويراعيها ، وإنا اعتبرنا روايات الشافعي التي ضمنها كتبه ، فلم نجد فيها حديثا واحدا على شرط البخاري أغرب به ، ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه ، ومثل ذلك القول في ترك مسلم إياه ، لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك ، وأما أبو داود فأخرج في "سننه" للشافعي غير حديث ، وأخرج له الترمذي ، وابن خزيمة ، وابن أبي حاتم . .
    ثم سرد الخطيب فصلا في ثناء مشايخه وأقرانه عليه ، ثم سرد أشياء في غمز بعض الأئمة ، فأساء ما شاء -أعني غامزه- وبلغنا عن الإمام الشافعي ألفاظ قد لا تثبت ، ولكنها حكم ، فمنها : ما أفلح من طلب العلم إلا بالقلة .
    وعنه قال : ما كذبت قط ، ولا حلفت بالله ، ولا تركت غسل الجمعة وما شبعت منذ ست عشرة سنة ، إلا شبعة طرحتها من ساعتي .
    وعنه قال : من لم تعزه التقوى ، فلا عز له .
    وعنه : ما فزعت من الفقر قط . طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب بها الله أهل التوحيد .
    وقيل له : ما لك تكثر من إمساك العصا ، ولست بضعيف ؟ قال : لأذكر أني مسافر .
    وقال : من لزم الشهوات ، لزمته عبودية أبناء الدنيا .
    وقال : الخير في خمسة : غنى النفس ، وكف الأذى ، وكسب الحلال ، والتقوى ، والثقة بالله .
    وعنه : أنفع الذخائر التقوى ، وأضرها العدوان .
    وعنه : اجتناب المعاصي ، وترك ما لا يعنيك ، يُنَوَّرُالقلب . عليك بالخَلْوَة ، وقلة الأكل ، إياك ومخالطة السفهاء ومن لا ينصفك ، إذا تكلمت فيما لا يعنيك ملكتك الكلمة ، ولم تملكها .
    وعنه : لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس ، صرف إلى الزهاد .
    وعنه : سياسة الناس أشد من سياسة الدواب .
    وعنه : العاقل من عقله عقله عن كل مذموم .
    وعنه : للمروءة أركان أربعة : حسن الخلق ، والسخاء ، والتواضع ، والنسك .
    وعنه : لا يكمل الرجل إلا بأربع : بالديانة ، والأمانة ، والصيانة ، والرزانة .
    وعنه : ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته .
    وعنه : علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا .
    وعنه : من نَمَّ لك نَمَّ عليك .
    وعنه قال : التواضع من أخلاق الكرام ، والتكبر من شيم اللئام ، التواضع يورث المحبة ، والقناعة تورث الراحة .
    وقال : أرفع الناس قدرا من لا يرى قدره ، وأكثرهم فضلا من لا يرى فضله .
    وقال : ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه في قلبه .
    لا نلام والله على حب هذا الإمام ، لأنه من رجال الكمال في زمانه -رحمه الله ، وإن كنا نحب غيره أكثر .

    المصدر

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 18, 2017 3:58 am